تبدو المعركة البرية في جنوب لبنان، حتى اليوم 18 آذار/مارس 2026، أقلّ من اجتياح شامل وأكبر من مجرد توغلات موضعية. فإسرائيل صعّدت ضرباتها على بيروت والجنوب، فيما تؤكد تقارير غربية أن العواصم الأوروبية تخشى" هجوماً برياً كبيراً" ، لا سيما بعد اتساع القصف وسقوط أكثر من 880 قتيلاً في لبنان ونزوح أكثر من مليون شخص منذ 2 آذار، بينما أكد الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين في الجنوب خلال العمليات البرية الجارية.
في جوهر هذه المعركة، لا تبدو أولوية إسرائيل هي "احتلال لبنان" بقدر ما هي تحطيم وحدة الرضوان بوصفها أخطر قوة اقتحام لدى حزب الله، وفقا لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، الذي رأى أنه منذ 2024 كان الهدف العملي للمناورة البرية هو تنظيف الشريط المشرف على الحدود، وخلق حيز أمني يمنع نيران المدى القريب وإحباط أي تسلل لقوة الرضوان إلى الجليل.
وفي الاتجاه نفسه، قدّر مركز ألما الإسرائيلي للأبحاث أن "الرضوان" بُنيت أصلاً لتنفيذ خطة "احتلال الجليل" ، وأن عناصرها مدربون على اقتحام بلدات، احتجاز رهائن، والعمل في خلايا صغيرة مستقلة داخل القرى الحدودية.
وتشير صورة قوة الرضوان نفسها إلى سبب هذا التركيز الإسرائيلي. فبحسب مركز ألما، يضم التشكيل بضعة آلاف من المقاتلين، وبعض التقديرات تضعه عند نحو 2500 عنصر، موزعين على وحدات فرعية وخلايا جغرافية صغيرة ذات استقلال تكتيكي. هذه القوة راكمت خبرة قتالية كبيرة في سوريا، خاصة في القلمون والقصير وحلب، وتستخدم مزيجاً من أسلحة الاقتحام والمشاة الخاصة (بنادق هجومية مطورة، رشاشات خفيفة، قاذفات RPG-29، قناصات، مناظير ليلية) ، إضافة إلى مضادات الدروع والمسيّرات والاستطلاع والهجوم المترافق مع وحدات أخرى من الحزب.
كما تشير دراسات غربية وإسرائيلية إلى أن تهديدها لا ينفصل عن بيئة الأنفاق، مخازن السلاح، وصواريخ الكورنيت والطائرات المسيّرة التي ترافق أي اشتباك بري.
أما خطة إسرائيل لتفكيك "الرضوان" فتقوم، وفق الخبير والباحث اللبناني علي حمادة، على أربعة مسارات: اغتيال القيادة، ضرب مراكز القيادة والسيطرة، تدمير البنية الحدودية، ومنع إعادة التموضع جنوب الليطاني.
في هذا السياق، يقول حمادة لإرم نيوز، إن إسرائيل قتلت في أيلول/سبتمبر 2024 إبراهيم عقيل، الذي يوصف بأنه القائد الفعلي لوحدة الرضوان، ومعه أحمد وهبي وعدد من القادة. ثم قُتل في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 هيثم علي طبطبائي، أحد أبرز قادة الرضوان، وفي آذار/مارس 2026 أعلنت إسرائيل قتل أبو علي ريان، قائد قطاع جنوب لبنان في الوحدة، وقالت إنها دمرت أكثر من 60 مركز قيادة وتحكم للرضوان منذ استئناف القتال. وفي الوقت نفسه، استهدفت ضرباتها أخيراً مقرات لوحدة الرضوان في بيروت ومخازن ومجمعات تدريب في الجنوب.
لكن رغم ذلك، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن إسرائيل قادرة بسهولة على "إنهاء" الرضوان.
معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي نفسه أقرّ بأن تصفية "الرضوان" لا تنهي تهديد النار الصاروخية، وأن نجاح المناورة البرية مرهون بمنع اختراقات صغيرة قد يكون لها أثر استراتيجي كبير. خاصة أن حزب الله أعاد تسليح نفسه خلال الأشهر السابقة، وجدّد مخزونه من الصواريخ والمسيّرات، وأعاد مقاتلين من الرضوان إلى الجنوب، وفقا للمعهد الإسرائيلي.
في هذا السياق، يرى الخبير والباحث السوري مازن بلال أن إسرائيل تستطيع التدمير والضغط على حزب الله، لكنها تواجه معضلة البقاء والتوسع: فالدخول إلى ما بعد الشريط الحدودي أو جنوب الليطاني يحتاج قوات أكبر واحتياطاً أوسع، بينما وحدة الرضوان تقاتل بخلايا مرنة داخل قرى معقدة التضاريس، وتستنزف أي قوة متقدمة بمضادات الدروع والمسيّرات والنيران الموجهة.
ويضيف أن إسرائيل تحاول كسر وحدة الرضوان عبر الاستنزاف المنهجي لا الحسم السريع، من خلال قتل القادة، ضرب المقرات، وإبعاد القوة عن الحدود. لكن المشكلة أن هذه الوحدة ليست مجرد "وحدة نخبة" ، بل عقيدة قتال مرنة متجذرة في الجغرافيا الجنوبية. لذلك، فإن تدمير رأس الحربة ممكن، أما محو التهديد بالكامل فسيظل أصعب بكثير.