يلفُّ الغموض والحيرة مشهد هجمات تشهدها الساحة العراقية، بعد اتساعها إلى نطاقات غير مفهومة وخروجها عن لائحة الاستهدافات المعتادة، إذ لم تعد الضربات تقتصر على أهداف عسكرية أو مواقع محددة، بل امتدت إلى منشآت حيوية، ومناطق مدنية، وسجون تضم عناصر تنظيم "داعش".
ومنذُ أيام تتعرض مواقع متعددة داخل العراق إلى قصف بطائرات مسيرة وصواريخ، شملت محيط مطار بغداد الدولي، ومقار أمنية، ومواقع للفصائل المسلحة، فضلاً عن منشآت نفطية وأهداف مدنية، في مشهد يؤشر إلى اتساع نطاق الاستهداف وتبدل قواعد الاشتباك داخل البلاد.
وبحسب مصادر أمنية، فإن الهجمات لم تتبع نمطاً واحداً من حيث التوقيت أو الأهداف، إذ جاءت على شكل ضربات متفرقة ومتزامنة أحياناً، ما صعب من مهمة تحديد الجهة المنفذة، وأبقى باب التكهنات مفتوحاً أمام عدة سيناريوهات متداخلة.
ومثالًا، استهدف هجوم بطائرتين مسيرتين فندق الرشيد وسط العاصمة بغداد، وهو منشأة مدنية تضم مكاتب لقنوات فضائية وبعثات دبلوماسية عربية وغربية، في حادثة شكلت تحولاً مقلقاً في طبيعة الأهداف، التي امتدت إلى مرافق مدنية حساسة ذات طابع إعلامي ودبلوماسي، بما يثير مخاوف من اتساع رقعة الاستهدافات وتداعياتها على المشهد الداخلي.
وقال ضابط في وزارة الداخلية العراقية، إن "الطبيعة المتغيرة للهجمات الأخيرة تشير إلى وجود أكثر من جهة تقف خلفها، أو على الأقل تنسيق غير مباشر بين أطراف مختلفة"، مبيناً أن "بعض الضربات تحمل بصمات تقنية متقدمة، فيما تبدو أخرى أقرب إلى أساليب المجاميع المحلية".
وأضاف، الذي طلب حجب هويته لـ"إرم نيوز"، أن "استهداف منشآت نفطية ومواقع مدنية يطرح تساؤلات جدية بشأن أهداف هذه الهجمات، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على رسائل عسكرية تقليدية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إرباك الوضع الداخلي وإحداث ضغط اقتصادي وأمني متزامن".
وأوضح الضابط العراقي أن "تصاعد تلك الهجمات جاء، رداً على الضربات التي استهدفت مقار الفصائل المسلحة من قبل جهات دولية يُعتقد أنها إسرائيل، ما دفع بعض الأطراف إلى توسيع نطاق الرد ليشمل مواقع لا ترتبط بشكل مباشر بساحات الاشتباك التقليدية، بهدف زيادة مستوى الضغط على الحكومة العراقية وكذلك على الولايات المتحدة، وإيصال رسائل تتجاوز الإطار العسكري إلى أبعاد سياسية وأمنية أوسع.
ووفق نمط بعض الهجمات، لا سيما تلك التي استهدفت مقرات للميليشيات المسلحة في مناطق جرف الصخر وكذلك في قضاء القائم بمحافظة الأنبار، فإن أصابع الاتهام تتجه في العادة نحو إسرائيل، التي سبق أن نسبت إليها ضربات مشابهة استهدفت مخازن سلاح ومواقع عسكرية داخل العراق، ما يعزز فرضية استمرار هذا النمط من العمليات ضمن سياق إقليمي أوسع.
في المقابل، أعلنت فصائل مسلحة مسؤوليتها عن بعض الهجمات، خاصة تلك التي استهدفت قواعد أو مواقع يُعتقد أنها تضم قوات أجنبية، غير أن هذا التبني الجزئي لم يشمل جميع الضربات، ما عزز فرضية تعدد الجهات المنفذة واختلاف الأهداف.
ورأى مختصون أن استهداف منشآت نفطية داخل العراق يمثل تطوراً خطيراً، إذ يفتح الباب أمام سيناريو الضغط الاقتصادي، في ظل اعتماد البلاد شبه الكامل على عائدات النفط، ما يجعل أي اضطراب في هذا القطاع ذا انعكاسات مباشرة على الاستقرار المالي.
وأعلنت غالبية الشركات النفطية الأجنبية العاملة في العراق انسحابها من عدد من الحقول، لا سيما في المحافظات الجنوبية، حفاظاً على سلامة طواقمها في ظل تصاعد المخاطر الأمنية، في وقت بدأت فيه عمليات تقليص تدريجية للنشاطات التشغيلية داخل بعض المواقع الحيوية، ما انعكس بشكل مباشر على مستويات الإنتاج، إذ خفض العراق إنتاجه إلى نحو مليون برميل يومياً فقط، في خطوة اضطرارية.
من جانبه، قال الباحث في الشؤون الأمنية كمال الطائي، إن "الضربات الأخيرة تؤشر إلى انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد العمليات تقتصر على استهدافات عسكرية واضحة، بل باتت تشمل أهدافاً اقتصادية ومدنية ذات تأثير واسع".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "هناك 3 فرضيات رئيسية يمكن قراءتها في هذا السياق، الأولى تتعلق بضربات خارجية دقيقة تستهدف تقويض نفوذ الفصائل، والثانية ترتبط بتحركات داخلية لبعض الجماعات لإيصال رسائل سياسية، أما الثالثة فتشير إلى احتمال وجود فاعلين متعددين يعملون ضمن بيئة فوضوية واحدة".
وأشار الطائي إلى أن "خطورة المرحلة الحالية تكمن في غياب تبنٍّ واضح لمعظم الهجمات، ما يجعل من الصعب تحديد قواعد الرد أو حتى طبيعة التهديد، وهو ما قد يدفع نحو مزيد من التصعيد غير المحسوب".
وبدت الحكومة العراقية أمام تحدٍّ مزدوج، يتمثل في احتواء التداعيات الأمنية المباشرة، ومنع انزلاق البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة، خاصة مع تزايد استهداف مواقع حساسة وحيوية.
وبرغم تعدد الهجمات وتوسعها داخل الأراضي العراقية، وتبني بعض الفصائل المسلحة لعدد منها، إلا أن الحكومة العراقية لم تعلن حتى الآن عن اعتقال أي من المتورطين بهذه العمليات، مكتفية بوصفها بأنها "أعمال إرهابية"، في وقت يثير هذا الغياب لإجراءات حاسمة تساؤلات بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على تحديد الجهات المنفذة ومحاسبتها.