كشفت مصادر مقربة من حزب الله لـ"إرم نيوز" أن قيادة الحزب أصدرت خلال الأسابيع الأخيرة تعليمات مباشرة بتشديد الالتزام بقواعد الاشتباك المعتمدة على الجبهة الجنوبية، ومنع أي اجتهادات ميدانية فردية، مع توسيع قنوات الإشراف والمتابعة المباشرة على الوحدات المنتشرة في القرى والنقاط الأمامية.
وبحسب هذه المصادر، شددت التعليمات على ضرورة حصر أي رد أو تحرك بقرار مركزي واضح، والتعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية بأقصى درجات الانضباط، في ظل حساسية المرحلة الإقليمية وخطورة أي حادث ميداني غير محسوب قد يفرض مسارا تصاعديا لا يريده الحزب في الوقت الراهن.
هذه الإجراءات تأتي في سياق إدارة جبهة تعمل منذ أسابيع تحت مستوى اشتباك مضبوط بدقة، إلا أن هذا الضبط بات بحد ذاته تحديا متزايدا مع طول أمد الاستنفار وارتفاع منسوب التوتر.
استنفار مفتوح وقرار مركزي
تؤكد المصادر الخاصة المقربة من الحزب أن حزب الله انتقل إلى نمط إدارة ميدانية استثنائي، يقوم على الجهوزية الكاملة دون الذهاب إلى قرار حرب، في معادلة دقيقة عنوانها الأساسي منع الانفلات.
ووفق هذه المصادر، لا يزال القرار العسكري مركزيا ومشددا، ولا يترك أي هامش لاجتهادات محلية، حتى في حالات الاستفزاز المباشر. غير أن طول أمد الاستنفار، وتعدد نقاط الاحتكاك، وكثافة الضغوط الميدانية، كلها عوامل تجعل السيطرة الكاملة على كل تفصيل ميداني أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في الظاهر.
وتقر الدوائر القريبة من القرار بأن الجبهة اليوم لا تدار بمنطق المبادرة، بل بمنطق الاحتواء ومنع التدهور، في ظل إدراك واضح لحساسية أي خطوة قد تخرج عن السقف المرسوم.
الخوف من الحادث لا من القرار
تكشف المصادر نفسها أن القلق الأساسي داخل الحزب لا يتمثل في اتخاذ قرار سياسي بالتصعيد، بل في احتمال وقوع حادث ميداني محدود، غير مقصود أو غير محسوب، يفرض مسارا تصاعديا لا يريده الحزب في هذه المرحلة.
وتشير التقديرات إلى أن أي رد محدود، حتى لو جاء في إطار الردع التكتيكي، قد يقرأ إسرائيليا أو أمريكيا كتحول في قواعد الاشتباك، ما يستدعي ردا مضادا يخرج بسرعة عن سقفه الأولي. وهنا تكمن المعضلة، إذ يصبح الرد إلزاميا للحفاظ على الردع، فيما قد يفتح الرد نفسه بابا يصعب إغلاقه.
المصادر تقول إن القيادة تعتبر أن البيئة الحالية لا تحتمل سوء تقدير واحد، لأن هامش المناورة تقلص إلى حدّه الأدنى، ولأن أي تصعيد غير مضبوط قد يفرض على الحزب، لا أن يكون خيارا اتخذه بملء إرادته.
ضبط العناصر في زمن الاستنفار الطويل
ثمّة تحد آخر يفرض نفسه يتمثل في إدارة العنصر البشري على الجبهة. فبحسب مصادر مطلعة، يخلق الاستنفار الطويل ضغطا نفسيا وميدانيا متزايدا على الوحدات المنتشرة، خصوصا في القرى الحدودية والنقاط الأمامية، حيث الاحتكاك اليومي، والاستهدافات المتقطعة، وحالة الترقب المستمرة.
وتؤكد المصادر أن الحزب وسع في الفترة الأخيرة قنوات الإشراف المباشر، وفعّل آليات متابعة أكثر صرامة، للحد من أي رد فعل غير منضبط. غير أن الإقرار الضمني داخل الدوائر القيادية هو أن الاستنفار الطويل ليس وضعا مثاليا، وأن السيطرة الكاملة تصبح أكثر صعوبة كلما طال الزمن وارتفع منسوب الضغط.
هذا الواقع يضع الحزب أمام معادلة دقيقة تتمثل في كيفية الحفاظ على صورة الردع والجاهزية، دون أن يتحول التوتر اليومي إلى شرارة انفلات.
الردع بين الفعالية والمخاطرة
تشير المصادر القريبة من الحزب إلى أن القيادة تنظر بقلق إلى تحوّل الردع من عنصر قوة إلى عنصر مخاطرة. فالردع، بصيغته الحالية، يتطلب إظهار الجهوزية الدائمة، لكنه في الوقت نفسه يضاعف احتمالات الاحتكاك غير المرغوب فيه.
وفي هذا السياق، يجري داخل الحزب تقييم مستمر لمستوى الضبط، ليس فقط على المستوى العسكري، بل السياسي أيضا. فأي تصعيد غير محسوب لن تكون كلفته محصورة بالجبهة الجنوبية، بل ستمتد إلى الداخل اللبناني الهش أصلا، وهو ما يدركه الحزب جيدا في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
وتضيف المصادر أن الحزب لا يرى نفسه اليوم في موقع المبادر، بل في موقع من يسعى إلى منع فرض المواجهة عليه، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تجعل أي ساحة تماس عرضة للاشتعال.
الخطر الحقيقي
وفقا للمصادر، ما يواجهه حزب الله اليوم ليس سؤال هل يريد الحرب؟ بل هل يستطيع منعها إذا فرضت عليه بفعل حادث أو سوء تقدير؟
فالاستنفار الطويل بلا قرار حسم يختبر قدرة القيادة على الإمساك بكل الخيوط، في لحظة إقليمية لا تسمح بالأخطاء، ولا تعطي فرصة لتراجع سهل بعد أي خطوة غير محسوبة.
وبهذا المعنى، تبدو الجبهة الجنوبية أقل استقرارا مما توحي به محدودية الاشتباكات، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرار الكبير، بل في التفصيل الصغير الذي قد يخرج عن السيطرة، ويفرض على الجميع مسارا لم يكن مطلوبا ولا مرغوبا، وفقا للمصادر.