لا تزال حادثة الاغتيال الغامضة لسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، تلقي بظلالها على المشهدين السياسي والأمني في البلاد، بما ينذر بضربة أخرى للتماسك الوطني وفكرة المصالحة الوطنية، في وقت تسعى الأمم المتحدة إلى إحياء الحوار المتعثر.
وفي رسالة موجهة إلى السلطات الليبية، وصف رئيس جمهورية الكونغو، دينيس ساسو نغيسو، رئيس اللجنة رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي والمعنية بليبيا، هذا الاغتيال بأنه "عمل شنيع"، مؤكدًا أن "هذا الهجوم يمثل انتكاسة خطيرة لجهود المصالحة الوطنية الجارية في البلاد".
وأشار، على وجه الخصوص، إلى أن ميثاق المصالحة، الذي جاء ثمرة مشاورات مطولة بين مختلف الأطراف المعنية، كان على وشك التوقيع عليه من قبل جميع الأطراف الليبية.
كما حذّر رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، من ضرب المصالحة الوطنية، داعيًا إلى انتظار نتائج التحقيق في اغتيال سيف الإسلام القذافي.
ويُعدّ تيار النظام السابق، ممثلًا في الفريق السياسي للمرشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي، طرفًا فاعلًا في لجان المصالحة الوطنية منذ بدء الاجتماعات تحت رعاية المجلس الرئاسي الذي يرعى المشروع، رغم انسحابه مرارًا احتجاجًا على استمرار سجن رموز نظام معمر القذافي، واتهام المجلس، الذي يقوده محمد المنفي، بعدم الجدية في ملف المصالحة، من خلال عدم معالجة قضية إطلاق سراح المعتقلين منذ العام 2011 دون توجيه تهم إليهم.
وأدان رئيس مجلس حكماء مصراتة، محمد الرجوبي، "الاغتيالات"، قائلًا إن "الأمر يتطلب اللجوء إلى المحاكم والهيئات القضائية لتسوية المظالم"، غير أنه انتقد مواقف مجموعة سيف الإسلام في ملف المصالحة، معتبرًا أنهم "لم يعترفوا بشيء اسمه تغيير في البلاد، ولم يعترفوا حتى بدولة دافع عنها الآباء والأجداد" وفق تعبيره.
ويعدّد الرجوبي في حديثه لـ"إرم نيوز"، تجاوزات ما يُعرف في ليبيا بـ"تيار سبتمبر"، في إشارة إلى أنصار النظام السابق الذين لا يعترفون بعلم البلاد ونشيدها الوطني، مؤكدين رفضهم تقبّل الآخر إلا بشروطهم، وهو ما شكّل عثرة في طريق المصالحة.
أما المتحدث السابق باسم رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد السلاك، فيعتبر الحادثة "ضربة في مقتل للمصالحة"، بعد جهود مضنية بذلها الكثيرون من أجل ردم الهوة والتئام الجرح الغائر بين أبناء الوطن الواحد.
وأضاف: "نحن الآن نتحدث عن نقطة صفر جديدة في ملف المصالحة، ما لم تتضح كل تفاصيل وملابسات الجريمة، ومن يقف خلفها، وما دوافعه، وتقديم الجناة إلى المحاكمة".
وعاد السياسي الليبي، في حديثه لـ"إرم نيوز"، إلى ما وقع قبل بضعة أسابيع، حين خرجت بعض الأصوات من الزنتان وأعلنت امتعاضها من استمرار تقديم الغطاء الاجتماعي والحماية لسيف الإسلام في المدينة، إلا أنها قوبلت بأصوات أخرى استنكرت الأمر، وأخرى نفت أن يكون هذا الكلام قد صدر عن أي جهة في الزنتان.
من جانبها، ترى الباحثة المتخصصة في الشأن الليبي، فيرجيني كولومبييه، أستاذة العلوم السياسية في جامعة لويس غيدو كارلي في روما، أن اغتيال سيف الإسلام القذافي في الزنتان، غرب البلاد، يعيد إحياء انقسامات ثورة 2011، ويوجه "ضربة قاسية" للتماسك الوطني.
وتتوقع الباحثة وقوع تجاوزات أمنية، لكنها "ستبقى معزولة ومحدودة النطاق"، انطلاقًا من تميّز الجماعات التي لا تزال متحالفة مع سيف الإسلام القذافي بـ"تشرذمها النسبي، وقبل كل شيء، بعدم تشكيلها قوة عسكرية حقيقية"، على عكس المعسكرين في بنغازي وطرابلس، وفق قولها.