كشفت مصادر يمنية مطلعة لـ"إرم نيوز" أن ميليشيا الحوثي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة نقاشات داخلية "حادة ولكن بصوت منخفض" حول حدود الانخراط في أي تصعيد إقليمي قد يتزامن مع حرب واسعة ضد إيران، وسط انقسام بين تيار يدفع نحو تصعيد محسوب لخدمة "المعركة الكبرى"، وآخر يحذر من أن أي اندفاعة غير منضبطة قد تفتح الباب أمام ضربة قاتلة تهدد سلطة الحوثيين داخل صنعاء نفسها.
وبحسب المصادر، فإن هذا الانقسام لا يظهر في الخطاب العلني للميليشيا، لكنه حاضر في اجتماعات مغلقة، وفي طريقة توزيع الأدوار، وحتى في تقييم طبيعة "الرد" المطلوب إذا ما انفجرت المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.
"المحور أولاً" أم "صنعاء أولاً"؟
تقول مصادر يمنية مطلعة على طبيعة النقاشات الدائرة في أوساط القيادة الحوثية، إن المزاج داخل هذه القيادة بات ينقسم بين تيار يمكن وصفه بـ"تيار المحور"، يرى أن الحوثي يجب أن يتصرف باعتباره "الجبهة الأكثر جاهزية" لرفع كلفة أي حرب على إيران، عبر إبقاء البحر الأحمر والمنطقة تحت ضغط مستمر، بما يضمن لطهران امتلاك أوراق تفاوض ميدانية لا يمكن تجاوزها.
في المقابل، يظهر تيار آخر، تصفه المصادر بـ"تيار الدولة - السلطة"، وهو تيار أكثر حذرا، يتعامل مع أي مواجهة كبرى بوصفها تهديدا مباشرا لحكم الحوثيين داخل مناطق سيطرتهم، ويرى أن فتح جبهة واسعة دون سقف سياسي واضح قد ينقلب إلى حرب استنزاف داخلية، أو إلى ضربات مركزة تستهدف مراكز التحكم والقيادة؛ ما قد يسبب "ارتباكا خطيرا" في منظومة السيطرة الأمنية والمالية لميليشيا الحوثي.
هذا التيار لا يعارض دعم إيران من حيث المبدأ، لكنه يدفع باتجاه "حرب محسوبة" لا تكسر معادلة بقاء الميليشيا، ولا تفتح شهية المجتمع الدولي لضربها كجزء من المعركة مع طهران.
حسابات متغيرة
وفقا لمصادر يمنية مطلعة، فإن سبب التحوّل لدى الحوثيين يعود إلى أن الميليشيا باتت مقتنعة بأن الحرب المقبلة على إيران لن تكون مجرد تبادل رسائل، بل قد تتضمن عمليات نوعية تستهدف "مفاصل القوة" لدى الحلفاء قبل أن يتحولوا إلى عبء ميداني على إسرائيل أو واشنطن.
وتشير المصادر إلى أن هناك تخوفا داخل القيادة الحوثية من سيناريو "الضربة المركّزة" التي لا تذهب نحو حرب شاملة داخل اليمن، لكنها تركز على شل قدرات الحوثيين في نقاط محددة؛ قيادة، اتصالات، مخازن، أو وحدات إطلاق، بما يجعل الحوثي "غير قادر على المناورة"، ويحوّل الاندفاع في التصعيد إلى مقامرة بخسارة أدوات القوة دفعة واحدة.
وفي تقدير بعض القيادات الداخلية التي تميل للحذر، فإن الحوثيين قد يملكون القدرة على "إزعاج" الخصوم، لكنهم لا يملكون القدرة على تحمّل ثمن معركة طويلة إذا قررت القوى الدولية كسر منظومة الحوثي بدل احتوائها.
وتضيف المصادر أن هذا التيار يستند إلى تجربة السنوات الماضية، فالحوثي قد ينجح في خلق ضغط بحري أو إقليمي، لكنه في الوقت نفسه يجازف بتوسيع بنك الأهداف ضده في لحظة يمكن فيها لأي ضربة دقيقة أن تشوّش إدارة مناطق النفوذ أو تهدد الاستقرار الداخلي في صنعاء.
الاقتصاد.. نقطة قوة وضعف
على مستوى آخر، تقول المصادر لـ"إرم نيوز" إن الانقسام يرتبط أيضا بحسابات مالية صرفة، فالحوثي اليوم يدير ما يشبه "اقتصاد حرب" قائما على الجبايات والضرائب والتحكم في سوق الوقود، وبعض موارد الموانئ والأسواق، وهو اقتصاد يمنح الميليشيا قدرة على البقاء دون الاعتماد الكامل على الخارج.
لكن هذا الاقتصاد نفسه، وفق المصادر، هو ما يجعل تيار "الدولة - السلطة" أكثر تمسكا بالحذر؛ لأن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام تشديد الخنق الاقتصادي، أو ضربات تؤدي إلى ارتباك في الموارد، وهو ما سينعكس سريعا على قدرة الحوثيين في دفع الرواتب، وضبط الشارع، وإدارة التوازنات مع القبائل والمراكز المحلية.
وبحسب المصادر، فإن ميليشيا الحوثي تدرك أن تراجع القبضة المالية لا يعني فقط أزمة اقتصادية، بل قد يتحول إلى أزمة سياسية وأمنية داخلية؛ لأن جزءا كبيرا من السيطرة قائم على شبكة مصالح، وحوافز، وضبط موارد، وليس على القوة العسكرية وحدها.
لذلك، فإن تيار "السلطة" يرى أن أفضل خدمة يمكن تقديمها لإيران في لحظة الحرب قد تكون الحفاظ على "الجبهة الحوثية حيّة" وقابلة للمناورة، لا إحراقها بالكامل في مواجهة واحدة.
تصعيد بالقطّارة لا بالانفجار
رغم الانقسام، تؤكد مصادر يمنية أن ميليشيا الحوثي تعمل على صيغة وسطية تمتص ضغط التيار المتحمس للتصعيد، دون أن تسلم رقبتها لرد دولي ساحق.
وتتمثل هذه الصيغة، وفق المصادر، في "التصعيد بالقطّارة"، عبر ضربات متباعدة، محسوبة التوقيت، موجهة نحو أهداف يختارها الحوثيون بعناية لتفادي رد شامل، مع إبقاء القدرة على رفع سقف العمليات إذا احتاجت طهران إلى تصعيد سياسي في المفاوضات أو الضغط.
وتضيف المصادر أن هذا النموذج يمنح الحوثي ثلاث مزايا؛ أولها إبقاء اسمه حاضرا كفاعل إقليمي، وثانيها الحفاظ على صورة "المساندة للمحور"، وثالثها تفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد بنيته الداخلية.
وبحسب تقديرات يمنية، فإن الحوثيين يحاولون إدارة المعركة القادمة ليس كجبهة "تضحية"، بل كجبهة "توازن"، من خلال الضغط المحسوب الذي يمنع الخصم من إعلان نصر سريع على إيران، دون أن يدفع الحوثيون ثمن انهيار داخلي أو خسارة صنعاء لحساب ضربة واحدة.
حسابات معقدة
تؤكد المصادر أن الخطاب العلني الذي يُظهر الحوثيين كجبهة جاهزة بلا تردد لا يعكس الصورة كاملة، فداخل ميليشيا الحوثي توجد حسابات معقدة بين من يرى اليمن مجرد ساحة في حرب المحور، ومن يرى أن صنعاء هي "الإنجاز الأكبر" الذي لا يمكن المجازفة به في توقيت إقليمي بالغ الخطورة.
لكن في جميع الأحوال، تضيف المصادر، أن الحوثي يعرف أن الحرب المقبلة على إيران ستعيد رسم خرائط النفوذ، وأن أي خطأ في تقدير حجم الانخراط أو نوع الرد قد يحوله من لاعب مؤثر إلى هدف ثابت في بنك الأهداف الدولي؛ وهو ما يجعل الانقسام الداخلي عاملا حاسما في شكل الحرب الحوثية القادمة وطريقة إدارتها.