تستعد السلطة الفلسطينية خلال العام 2026، لانتخابات شاملة، بدءًا من الانتخابات المحلية والبلديات وصولاً لانتخابات المجلس التشريعي وانتخابات لاختيار رئيس للشعب الفلسطيني، بعد أكثر من عشرين عامًا من تعطل مسار إجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية.
وجرت آخر انتخابات رئاسية في الأراضي الفلسطينية عام 2005، وفاز خلالها الرئيس محمود عباس بمنصبه الذي ما زال يتقلده، في حين جرت انتخابات تشريعية عام 2006 وانتهت بفوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي.
وبعد إجراء هذه الانتخابات بعام واحد، سيطرت حركة حماس على قطاع غزة بشكل كامل بعد اشتباكات مع أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، أوقعت مئات القتلى والجرحى.
وتأتي الدعوات لإجراء الانتخابات الفلسطينية خلال عام 2026 في سياق ضغوط ومطالبات إقليمية ودولية واسعة، لإعادة هيكلة وإصلاح السلطة الفلسطينية سياسيًا وإداريًا، كجزء من استحقاقات خطة السلام التي تدفع بها أطراف دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وقال المحلل السياسي شاكر شبات إن "إصدار الرئيس محمود عباس مرسومًا يشترط على أي قوة ترغب بالمشاركة في الانتخابات الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وبالاتفاقيات التي وقّعتها، يُعد خطوة استباقية تهدف لوضع عراقيل أمام مشاركة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، كونهما خارج إطار منظمة التحرير".
وأضاف لـ"إرم نيوز": إن "حماس رفضت سابقًا الاعتراف باتفاق أوسلو، وبالتالي فإن إلزامها بالاعتراف بالاتفاقيات يعني ضمنًا موافقتها على نهج أوسلو، الأمر الذي يُعد تنازلاً سياسيًا كبيرًا".
وأوضح شبات أن "حماس قد تلجأ للمناورة السياسية من خلال الدفع بشخصيات محسوبة عليها للمشاركة في الانتخابات دون انتماء تنظيمي مباشر، وذلك لتفادي الاستبعاد القانوني، وفي الوقت ذاته تقليص نفوذها في المشهد الانتخابي، وهو ما قد يخدم توجهات تهدف لإزاحتها عن واجهة الحكم".
وتابع: "المجتمع الدولي والإقليمي يطالب السلطة الفلسطينية بإصلاح نفسها إذا ما أرادت أن تكون جزءًا من مستقبل الضفة وغزة، لا سيما في ظل الإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة التي أضعفت السلطة وقلّصت من قدرتها على السيطرة، مثل تقييد المقاصة المالية، وطرح دعوات متطرفة في إسرائيل لحل السلطة واعتبارها كيانًا إرهابيًا".
ويرى شبات أن "ما بعد السابع من أكتوبر شكّل نقطة تحول في مشهد الحكم في غزة، إذ أصبحت حماس خارج دائرة الحكم فعليًا مما يحل إشكالية فرض السلطة على القطاع، لكن المعيق الحقيقي ليس حماس بل إسرائيل، وتحديدًا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يرفض أي سيناريو يسمح للسلطة بإعادة بسط نفوذها في غزة".
وأكد أن "مفترق الطرق بين حركتي فتح وحماس ما زال قائمًا، فبالرغم من وجود وثائق سياسية ونقاشات للوحدة، إلا أن الدخول في مشهد سياسي موحد يتطلب من حماس تنازلات واشتراطات تتعلق ببرنامجها السياسي، وهو أمر ما زال صعبًا، رغم بعض المرونة التي أبدتها".
وقال: "حماس طالبت بوجود سيادة فلسطينية فعلية في غزة كشرط، لكن نتنياهو يرفض ذلك، ما يعمّق الانقسام السياسي ويجعل من الانتخابات القادمة مسارًا معقدًا وغير محسوم.
وقال: "انتخابات 2026 من غير المرجح أن تُجرى في قطاع غزة، في ظل السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة منه، وغياب البنية المدنية اللازمة لإجراء الانتخابات".
وأكد أن "غياب سياسة موحدة بين الضفة وغزة يُبقي الواقع الفلسطيني في حالة انقسام سياسي، ويعكس استمرار التباعد بين طرفي الوطن عند مفترق طرق لم تُحسم وجهته بعد".
ومن جهته، قال المحلل السياسي فراس ياغي إن "الانتخابات العامة، بما فيها النقابية والمحلية والتشريعية والرئاسية، باتت شرطًا أساسيًا ضمن ورقة الإصلاح المقدمة من الدول الأوروبية، كما تندرج في إطار خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي تحدثت عن ضرورة إصلاح السلطة الفلسطينية كمدخل لاستحقاق سياسي يقود نحو تقرير المصير للفلسطينيين".
وأضاف ياغي لـ"إرم نيوز" أن "البدء بإجراء الانتخابات المحلية في أبريل/نيسان المقبل يُعد مقدمة لتجديد الشرعيات الفلسطينية كافة، ويمثل استجابة للاشتراطات الدولية، خصوصًا تلك التي وردت في إعلان نيويورك، الذي اعترف بالدولة الفلسطينية بشرط أن تكون منزوعة السلاح ويسبق إعلانها إصلاح سياسي ومالي وإداري شامل".
وأشار إلى أن "هذه المسارات من شأنها تعزيز مفهوم حل الدولتين، لكنها في الوقت ذاته تعكس محاولة لإبعاد حركة حماس عن المشهد السياسي، ما لم تُراجع برنامجها السياسي أو تُشكّل حزبًا جديدًا يقرّ بالشروط الدولية التي التزمت بها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية".
وأكد ياغي أن "الانتخابات التشريعية والرئاسية لا تُعد فقط مدخلًا لتوحيد العنوان السياسي والقانوني والإداري والمالي للضفة الغربية وقطاع غزة، بل هي الأساس لتجديد الشرعية الفلسطينية، وإعادة بناء قيادة تمثل الشعب الفلسطيني وتتمتع بمصداقية محلية وإقليمية ودولية".
وأوضح أن "توحيد غزة والضفة فعليًا سيبقى مرهونًا بمدى الضغط الدولي على إسرائيل وتطبيق خطة ترامب كمسار سياسي شامل يؤدي إلى تسوية الصراع، بدلًا من الاستمرار في إدارته".
وختم ياغي بالقول إن "الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بحسب ما هو مطروح في خطة الإصلاح الأوروبية الموضوعة أمام السلطة الفلسطينية، يُفترض أن تُجرى في أغسطس/آب 2026".
لكنّه أبدى شكوكه في إمكانية حدوث ذلك دون تغيّر في المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي، مشددًا على أن "بقاء حكومة يمينية متشددة في الحكم، تسيطر فعليًا على الضفة وغزة، يعني غياب أي أفق لتطور إيجابي".