تتجه الأنظار إلى جلسة انتخاب رئيس للعراق المقررة السبت، في ظل مشهد سياسي معقد تحكمه الخلافات الكردية وتشابك الحسابات الإقليمية؛ ما يثير احتمالات تعطيل انعقادها مرة أخرى.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه رئاسة البرلمان المضي في عقد الجلسة في موعدها، مع حديث عن تحركات مكثفة لتأمين حضور لا يقل عن 220 نائبًا، وهو العدد المطلوب لافتتاح الجلسة دستوريًا، في ظل سباق بين القوى السياسية لحسم هذا الاستحقاق المؤجل منذ أشهر.
ولا يزال الانقسام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يمثل العقدة الأبرز، مع تمسك كل طرف بمرشحه، فؤاد حسين عن الديمقراطي، ونزار آميدي عن الاتحاد، دون التوصل إلى صيغة توافقية حتى الآن.
ويأتي هذا الانقسام في سياق أوسع من الخلافات داخل الإقليم؛ إذ يرتبط ملف رئاسة الجمهورية بتعقيدات تشكيل حكومة إقليم كردستان المتعثرة منذ أكثر من عام ونصف العام؛ ما يجعل حسم المنصب الاتحادي انعكاسًا مباشرًا للتوازنات الداخلية الكردية.
وفي ظل هذا المشهد، تراهن بعض الأطراف على إمكانية الذهاب إلى جلسة انتخاب دون اتفاق كردي، عبر الاعتماد على تحالفات مع قوى داخل بغداد، خصوصًا من الإطار التنسيقي؛ وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو انتخاب رئيس بأغلبية سياسية لا توافقية.
بدوره، قال الخبير القانوني علي التميمي إن "تجاوز المدة الدستورية المحددة بـ30 يومًا لانتخاب رئيس الجمهورية لا يعني سقوط هذا الاستحقاق، بل تبقى إمكانية عقد الجلسة قائمة في أي وقت".
وأضاف التميمي لـ"إرم نيوز" أن "النصاب القانوني لافتتاح الجلسة يتطلب حضور ثلثي أعضاء البرلمان، أي ما لا يقل عن 220 نائبًا، وهو شرط حاسم قد يُستخدم لتعطيل الجلسة في حال غياب التوافق السياسي".
وأوضح أن "آلية التصويت تبدأ بالحصول على أغلبية الثلثين، وفي حال عدم تحققها يُنتقل إلى جولة ثانية بين المرشحين الأعلى أصواتًا، حيث يُحسم المنصب بالأغلبية البسيطة"، مشيرًا إلى أن "هذا المسار يفتح الباب أمام تفاهمات اللحظة الأخيرة داخل قبة البرلمان".
وتشير المعطيات إلى أن الحوارات السياسية استؤنفت بشكل متأخر، بعد فترة من الجمود بسبب الحرب الإقليمية؛ ما يجعل الوقت المتبقي قبل الجلسة غير كافٍ لإنضاج اتفاق شامل، خصوصًا مع تداخل ملف رئاسة الجمهورية مع مفاوضات اختيار رئيس الوزراء.
كما أن بعض القوى ترى أن الذهاب إلى جلسة غير مكتملة التوافق قد يؤدي إلى تعميق الانقسام، فيما تفضّل أطراف أخرى حسم الملف سريعًا لتجنب استمرار حالة الفراغ السياسي، التي تجاوزت المدد الدستورية بأكثر من 100 يوم.
وفي هذا السياق، قال عضو ائتلاف دولة القانون وائل الركابي إن "نجاح جلسة انتخاب رئيس الجمهورية مرهون بتحقيق التوافق السياسي بين القوى المختلفة جميعها، خصوصًا بين الأطراف الكردية".
وأضاف الركابي لـ"إرم نيوز" أنه "حتى الآن لا يوجد اتفاق كردي واضح، والقوى السياسية بدأت فعليًا جولات الحوار بعد توقف الحرب؛ ما يعني أن المشهد لا يزال في طور التفاوض".
وأشار إلى أن "أي محاولة للمضي دون توافق قد تعيد العملية السياسية إلى نقطة التعقيد، وتفتح الباب أمام تعطيل الجلسة مجددًا"، لافتًا إلى أن "ملف رئاسة الوزراء، بما فيه مسألة ترشيح نوري المالكي أو استبداله، يبقى جزءًا من معادلة التفاهم داخل القوى الشيعية".
كما أعلن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني رفضه المضي في انتخاب رئيس الجمهورية دون التوصل إلى اتفاق متزامن بشأن مرشح رئاسة مجلس الوزراء.
وقال بارزاني في تغريدة عبر "إكس" إن "إصرار بعض أطراف الإطار التنسيقي على المضي بانتخاب رئيس الجمهورية، مقابل استمرار البعض في عدم حسم مرشح رئاسة الوزراء، أمر غير مقبول".
ويتشكل الفريق الداعم للمضي في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من تحالفات سياسية متداخلة، يتقدمها الاتحاد الوطني الكردستاني، إلى جانب تيار الحكمة، وحركة عصائب أهل الحق، فضلًا عن غالبية قوى المجلس السياسي السني، بما فيها تحالف تقدم، إضافة إلى كتلة بابليون وكتلة الموقف وتحالف الإعمار والتنمية، مع انضمام كتل وشخصيات أخرى، وهو داعم لمرشح الاتحاد الوطني نزار آميدي.
في المقابل، يبرز فريق آخر يتبنى موقفًا معارضًا أو متحفظًا على عقد الجلسة بصيغتها الحالية، ويضم ائتلاف دولة القانون، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتحالف العزم السني، إلى جانب كتلة منظمة بدر برئاسة هادي العامري، وهو داعم لمرشح الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين.
وتشكل هذان الفريقان خلال الأشهر الماضية على وقع حسابات سياسية معقدة وتوازنات دقيقة، إلى جانب خلافات فكرية وشخصية بين القيادات؛ ما أعاد رسم خريطة الاصطفاف داخل البرلمان.
وتبقى جلسة السبت أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسة: أولها فشل انعقادها بسبب كسر النصاب، وهو خيار سبق أن استخدمته القوى السياسية في محطات سابقة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عقد الجلسة دون إدراج فقرة انتخاب الرئيس، كحل وسط يمنح الأطراف مزيدًا من الوقت للتفاوض، فيما يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا وفق تقديرات مراقبين، الذهاب إلى انتخاب رئيس الجمهورية وحسم الملف بشكل كامل.
وتبدو الجلسة اختبارًا جديدًا لقدرة القوى السياسية على تجاوز منطق المحاصصة والتنافس الحزبي، أو الاستمرار في إدارة الاستحقاقات الدستورية بمنطق التعطيل؛ ما يبقي المشهد مفتوحًا على مزيد من التأجيل.