تتجه الأنظار إلى عودة رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، إلى بيروت لإحياء ذكرى مقتل رفيق الحريري، في توقيت سياسي دقيق، وسط تساؤلات متصاعدة حول مستقبل "تيار المستقبل" وإمكانية عودته إلى الحياة السياسية، في ظل متغيرات داخلية وإقليمية متسارعة، تفتح كل الاحتمالات الممكنة.
ووفق خبراء، حمل خطاب سعد الحريري رسائل متعددة الاتجاهات، تناولت موقع لبنان في الصراعات الإقليمية، والاستحقاق الانتخابي المرتقب، وحدود العودة المحتملة إلى العمل السياسي، ما بين حسم نهائي أو خطوة مدروسة بانتظار اتضاح المشهد.
في ظل هذا التطور الجديد، يبقى مسار الانتخابات النيابية والظروف المحيطة بها العامل الحاسم في تحديد شكل المرحلة المقبلة ودور "الحريرية السياسية" فيها.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي، رولاند خاطر إنه لا شك في أن تيار المستقبل يرى فرصة جدية للعودة إلى العمل السياسي، ولا سيما في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأوضح خاطر في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن هذه التحولات تتصل بالمسار الإقليمي الرامي إلى إنهاء نفوذ التوسع الإيراني، وتراجع ما وصفه بـ"المارد العسكري" لحزب الله الذي كان يصادر القرارين السياسي والعسكري في لبنان، ويفرض في مراحل سابقة ربط نزاع داخل الحكومات، وخصوصًا تلك التي كان يرأسها الرئيس سعد الحريري.
وأضاف خاطر أن التبدل الحاصل في السياسة الإقليمية كان يفرض على "السياسة الحريرية" تقديم تنازلات معينة في مواجهة من اتهم باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لذلك يرى تيار المستقبل بعد سنوات طويلة من الابتعاد عن الحكم، وإذا استمر هذا الخروج فهناك احتمال لانتهاء الحالة "الحريرية" في المعادلتين السياسية والوطنية.
وأشار إلى أن عائلة "الحريري" تدرك هذه المعطيات، لذلك كان القرار أن يقوموا بجولات من التواصل مع القاعدة الشعبية لتيار المستقبل بهدف رأب حالة الفراغ التي سببها خروج سعد الحريري من الحكم، لافتًا إلى أنه في الذكرى الـ21 لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، يمكن قراءة خطاب سعد الحريري في مشهدين: الأول تمثل في تأكيده عدم الرهان على استثمار أي خلاف لبناني مع الإقليم، من دون تقديم توضيحات من يقصد بالتحديد.
وأوضح خاطر أن الحريري يريد إيصال رسالة أنه عائد إلى لبنان، ولكن ليس عبر أي نفوذ خارجي غير مألوف، أما المشهد الثاني في خطابه، فهو المشهد، الذي تناول به الانتخابات النيابية، وأكد معرفة وتحديد موعدها لتحديد قرار تيار المستقبل، وفي لقاءاته في بيت الوسط أشار إلى أن لبنان ليس في أجواء انتخابية؛ ما يوحي بأنها لن تجري في موعدها.
وبيّن أن لدى سعد الحريري طموحًا داخليًّا بما يخص تيار المستقبل حول العودة، إلا أن السؤال يبقى مرتبطًا بمدى سماح الظروف الداخلية والإقليمية بهذه العودة، معتبرًا أن إجراء الانتخابات في موعدها هو الإشارة التي ستؤكد ذلك من عدمه.
ولفت إلى أنه رغم ما أعلنه سعد الحريري، فلا يزال الغموض يحيط بمسألة العودة، إذ إن خطابه لم يكن واضحًا في جميع جوانبه، مضيفًا أن ثمة من يرى أن الحريري سيعود إلى بلد إقامته من دون خوض انتخابات، فيما يعتبر آخرون أنه حتى في حال عودة تيار المستقبل إلى الحياة السياسية، فقد تقتصر المشاركة على بعض الشخصيات، في حين لن يكون سعد الحريري نفسه مرشحًا، مع بقاء احتمال تبدل هذا الموقف.
ومن جهته، رأى الباحث والمحلل السياسي وجدي العريضي أن هناك أسبابًا موجبة عدة تستدعي عودة الرئيس سعد الحريري للاستقرار في لبنان هذا العام واستكمال مسيرته السياسية، مؤكدًا أن جملة من الأسباب تفرض هذه العودة وفي مقدمتها إعادة إحياء تيار المستقبل وتفعيل حضوره، خصوصًا في ظل وجود التحولات والتغيرات في المنطقة.
وأضاف العريضي لـ"إرم نيوز"، أن إحياء ذكرى اغتيال رفيق الحريري شكّل محطة مهمة تجلّت في الحضور الحاشد كتأكيد زعامة سعد الحريري ودوره، إضافة إلى كلمته التي كانت دقيقة جدًّا، حيث تمثل من وجهة نظره، خريطة طريق للمرحلة المقبلة؛ ما يعني أن العودة يجب أن تكون نهائية.
وأوضح العريضي أن للرئيس سعد الحريري ظروفه واعتباراته الخاصة، إلا أنه كان واضحًا في مضامين كلمته، مشيرًا إلى أنها جاءت مغايرة للمحطات السابقة، وتحمل مؤشرات إلى أن العودة باتت قريبة، مع العمل على إزالة الأسباب التي تحول دونها.
وأكد العريضي أن الحريري تطرَّق في خطابه إلى قضايا أساسية على مختلف المستويات، وأشار بشجاعة إلى المعوقات والظروف، معتبرًا أن هذا الطرح عكس مستوى عاليًا من الشفافية؛ ما يعزز الاعتقاد بأن المرحلة المقبلة تستدعي هذه العودة، لافتًا إلى دلالات الاستقبال في بيت الوسط من خلال حضور سفراء الدول الكبرى، وصدور بيان من الخارجية الأمريكية حول ذكرى اغتيال رفيق الحريري.
واختتم العريضي حديثه بالتأكيد أن مجمل المؤشرات تدل على أن "الحريرية السياسية" لا تزال قوية ومتماسكة، وأن ثمة رغبة دولية واضحة في عودة الرئيس سعد الحريري لاستكمال مسيرته السياسية في المرحلة المقبلة.