"رويترز": حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد وصلت إلى إسرائيل

logo
العالم العربي

"الصمود المؤسسي".. إيران تهيّئ بنية النظام لمرحلة ما بعد الضربة

المرشد الإيراني علي خامنئيالمصدر: رويترز

لم تعد الأسئلة داخل مراكز الأبحاث الغربية والإسرائيلية تدور حول ما إذا كانت المواجهة مع إيران ستقع، بل حول كيفية تصرف السلطات الإيرانية بعد الضربة الأولى. إذ تشير التقديرات الجديدة إلى أن طهران بدأت بالفعل إعادة بناء نموذج حكم يقوم على الصمود المؤسسي، وليس فقط على الردع العسكري، في تحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن المرحلة المقبلة قد تكون الأخطر منذ نهاية الحرب العراقية - الإيرانية.

هذا التحول في القراءة يتزامن مع تحركات عسكرية أمريكية واسعة في المنطقة، حيث نشر الجيش الأمريكي أكثر من 150 طائرة متقدمة في أوروبا والشرق الأوسط، في خطوة فسّرها محللون كجزء من خطة ضغط عسكري سريع التنفيذ دون التورط في حرب برية طويلة. 

أخبار ذات علاقة

ويتكوف وكوشنر في اجتماع مع وزير خارجية سلطنة عمان

إدارة ترامب تؤكد أن ضرب إيران لن يجر المنطقة إلى "حرب طويلة"

الاستعداد للحرب بعقلية "النجاة"

تشير تقديرات حديثة صادرة عن معهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن إيران لم تعد تركز على كسب الحرب بقدر ما تركز على البقاء بعدها. وتنقل "وول ستريت جورنال" عن تقارير أمنية أن طهران بدأت توزيع مراكز القيادة العسكرية وتحصين مواقعها النووية وتعزيز منظومات القيادة اللامركزية، لضمان استمرار السيطرة حتى في حال تعرض البنية العسكرية لضربة مركزة.

الباحث محمد صالح الفتيح يرى أن هذا التحول لا يمكن فهمه دون العودة إلى انهيار نموذج "الردع عبر الوكلاء". ويوضح أن إيران اعتمدت منذ الثمانينيات على الحرب بالوكالة، التي تطورت، لاحقاً، إلى ردع غير مباشر يسمح لها باستنزاف خصومها عبر هجمات صغيرة متواترة توفر لها هامش الإنكار السياسي، وهو ما عقَّد، سابقاً، قرارات الغرب بالرد العسكري المباشر، مستشهداً بتراجع إدارة باراك أوباما عن ضرب إيران رغم توصيات الجنرال جيم ماتيس، وكذلك امتناع دونالد ترامب عن الرد بعد إسقاط طائرة "غلوبال هوك" العام 2019.

لكن الفتيح يلفت إلى أن هذه الإستراتيجية انهارت تدريجياً بين عامي 2023 و2025، مع تغير النظرة الغربية والإقليمية لوكلاء إيران بعد عملية "طوفان الأقصى"، والخسائر التي لحقت بحماس وحزب الله وسقوط النظام السوري السابق، ما عزز الاعتقاد بأن إيران أضعف مما كان يُقدّر. ويرى أن طهران باتت أمام خيارين لا ثالث لهما: "الرضوخ الكامل والتخلي عن القدرات النووية والصاروخية، أو مواجهة عسكرية قد تتدرج من جولات صغيرة إلى حرب شاملة هدفها إسقاط النظام"، ولهذا أصبح نموذج الصمود المؤسسي "الخيار الوحيد والضروري".

من جهته، يقول الباحث والكاتب السياسي مازن بلال إن فكرة الصمود المؤسسي تبدو منطقية حتى لو نجحت المفاوضات مع واشنطن، لأن طبيعة إيران كقوة إستراتيجية تختلف جذرياً عن التوجه الإسرائيلي، ما يبقيها في حالة صدام بنيوي مع النظام الغربي طالما لم يتغير خطابها تجاه إسرائيل.

نهاية مرحلة "الدفاع الأمامي"؟

لسنوات طويلة، اعتمدت إيران على مفهوم "الدفاع الأمامي"، أي نقل الصراع إلى خارج حدودها عبر شبكة حلفاء إقليميين. لكن قراءات صادرة عن مؤسسة RAND تشير إلى أن هذه المعادلة بدأت تتغير مع تراجع النفوذ الإقليمي، وتزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية.

الفتيح يرى أن مصداقية إيران أمام وكلائها تراجعت بشكل كبير بعد امتناعها عن التدخل المباشر لصالح حماس ثم حزب الله والنظام السوري والحوثيين، وهو ما جعل نموذج الوكلاء أقل جدوى بل ربما عبئاً سياسياً يشجع الغرب على التفكير بضرب إيران نفسها.

هذه القراءة تتقاطع مع تقديرات إسرائيلية ترى أن الحرس الثوري يتحول تدريجياً إلى مركز القرار الفعلي، مع إعادة توزيع الموارد نحو الداخل وتعزيز الأجهزة الأمنية كضامن لبقاء النظام. 

أخبار ذات علاقة

ستيف ويتكوف

"تفكيك وترحيل".. مطالب أمريكية "صعبة" على إيران في مفاوضات جنيف

سيناريو "المرشد المؤقت" والنقاش الصامت

من أكثر الزوايا التي تتكرر في تقارير المراكز الغربية، حالياً، هو مستقبل القيادة العليا في إيران، خاصة مع تقدم المرشد علي خامنئي في السن ومخاطر اغتياله.

ويعتقد الفتيح أن استهداف رأس النظام احتمال مرجح، مشيراً إلى شبه إجماع بأن إسرائيل كانت تنوي اغتيال خامنئي خلال الحرب الماضية قبل تدخل واشنطن لمنع ذلك. ويرى أن حسابات استهداف المرشد تقوم على 3 دوافع، أولها أنه يُنظر إليه باعتباره العقبة الأساسية أمام تقديم تنازلات سياسية، وإحداث "كي وعي" داخل النظام كما حدث بعد اغتيال قادة حزب الله، وتهيئة الأرضية لأي محاولة تغيير تدريجي أو سريع للنظام.

ويرى الباحث أن التغييرات الأخيرة في بنية القيادة لا تعكس لامركزية حقيقية بقدر ما تمثل إعادة توزيع للمناصب لضمان استمرار نفوذ عائلة خامنئي، مستشهداً بصعود مجتبى خامنئي إلى الواجهة، ومقارناً ما يجري بتقسيم النظام العراقي السابق لمناطق المسؤولية قبل سقوط بغداد بهدف ضمان استمرار القيادة.

أما مازن بلال فيرى أن الاغتيال المنظم بات جزءاً أساسياً من التكتيك الإسرائيلي والأمريكي، وأن إزاحة القيادات قد تُستخدم لتحريك الداخل الإيراني، لكنه يلفت إلى أن بنية النظام في طهران أكثر تعقيداً وتشابكاً من النموذج السوري، ما يجعل اختراقها أصعب ويتطلب تكتيكات مختلفة.

الضربة المحدودة.. السيناريو الأكثر تداولاً

على الرغم من الخطاب الإعلامي المتصاعد، تميل معظم قراءات مراكز الأبحاث الغربية إلى ترجيح سيناريو "الضربة المحدودة عالية التأثير" بدلاً من حرب شاملة، عبر حملة جوية مركزة تستهدف المنشآت النووية والبنية الصاروخية لإجبار إيران على تقديم تنازلات دون الانخراط في صراع طويل.

لكن بلال يلفت إلى أن غياب المرشد وحده لن يكون كافياً لإحداث انهيار داخلي، لأن النظام قادر على إنتاج مرشد جديد، بينما قد تفتح الحرب نفسها الباب أمام "بجعة سوداء"، أي متغيرات غير متوقعة قد تدفع بقيادات جديدة إلى الواجهة وتغيّر مسار النظام السياسي.

في المقابل، يرى الباحث الفتيح أن النظام الإيراني يماطل في المفاوضات لأنه يعتبر التخلي الكامل عن قدراته الإستراتيجية بمثابة نهاية للنظام، ولذلك يراهن على تحمل المواجهة العسكرية مهما كانت تكلفتها. 

أخبار ذات علاقة

حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد آر فورد

تقرير عبري: الحرب على إيران "محسومة" والقرار دخل حيز التنفيذ

إيران بين مرحلتين

الخلاصة التي تتقاطع فيها تحليلات RAND الأمريكية ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، إضافة إلى قراءات الفتيح وبلال، هي أن إيران دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها دولة تسعى فقط لتوسيع نفوذها، بل نظاماً يعيد تعريف بقائه عبر إعادة هندسة مؤسساته الأمنية والسياسية.

واليوم، لم يعد السؤال الأساس: هل ستقع الحرب؟ بل، كيف سيبدو النظام الإيراني في اليوم التالي للضربة، ومن سيمسك بمفاتيح القرار إذا تغيرت قواعد اللعبة؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC