تحوّلت الضربات التي تطال مواقع متعددة داخل العراق إلى مشهد متكرر يحمل، وفق مختصين، رسائل تتجاوز حدود الاستهداف المباشر، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية على بغداد لإعادة ترتيب ملف الميليشيات المسلحة.
وبين تصاعد الهجمات وتنوع أهدافها، يبرز تساؤل عن طبيعة يجري، وما إذا كان تصعيداً ميدانياً ضمن سياق تفاوض غير معلن بين بغداد وواشنطن حول مستقبل الحشد الشعبي.
وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت مواقع داخل العراق لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، استهدفت مقار أمنية ومواقع للميليشيات المسلحة، إلى جانب محيط مطار بغداد الدولي ومنشآت حيوية، في نمط متكرر يصعب فصله عن سياق أوسع من مجرد الخروقات الأمنية.
وبحسب مصادر أمنية، فإن الضربات جاءت بشكل متزامن أحياناً ومتفرق في أحيان أخرى، ما يكشف مستوى عالياً من التنظيم، ويشير إلى أن الأهداف لم تكن عشوائية بالكامل.
والتصعيد، وفق مراقبين، لا يؤشر فقط هشاشة الوضع الأمني، بل يندرج ضمن أدوات الضغط المستخدمة لإعادة ترتيب التوازنات في العراق، خاصة مع اتساع رقعة المواجهة بين واشنطن وطهران.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص نفوذ الميليشيات المسلحة داخل العراق، وضبط تحركاتها، بما يضمن حماية مصالحها وقواعدها العسكرية، ومنع استخدام الأراضي العراقية كساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية.
ويرى مختصون أن واشنطن، في ظل تعقيدات المشهد، قد لا تذهب نحو مواجهة شاملة، بل تعتمد على إستراتيجية "الضغط المحسوب"، عبر ضربات محدودة ومدروسة، تهدف إلى إيصال رسائل دون الانزلاق إلى صدام واسع.
ويقف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أمام اختبار صعب، إذ يحاول الحفاظ على توازن دقيق بين التزامه بسيادة الدولة، وبين واقع سياسي وأمني تفرضه ميليشيات مسلحة تمتلك نفوذاً واسعاً داخل البلاد.
ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية تجد نفسها أمام خيارات محدودة، فلا هي قادرة على الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل، ولا تستطيع تجاهل الضغوط الأمريكية المتصاعدة، ما يدفعها إلى تبني سياسات مرنة تقوم على احتواء التصعيد دون الانخراط فيه.
بدوره قال الباحث في الشؤون الأمنية علاء النشوع، إن "طبيعة الضربات التي شهدها العراق خلال الأيام الأخيرة تشير إلى انتقال الصراع من نمط الاستهداف التقليدي إلى نمط الرسائل المركبة، التي تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية في آن واحد".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "تكرار الهجمات في مناطق حساسة وتوقيتها المتقارب لا يمكن فصله عن سياق الضغوط الأميركية على الحكومة العراقية، خاصة فيما يتعلق بملف الفصائل المسلحة، إذ يبدو أن هناك محاولة لفرض معادلة جديدة على الأرض عبر أدوات ميدانية".
في موازاة ذلك، يطرح مراقبون فرضية أن هذا التصعيد قد لا يكون خارج السيطرة بالكامل، بل يدخل ضمن إطار تفاوض غير مباشر يجري عبر الميدان، حيث تُستخدم الضربات كوسيلة ضغط لدفع بغداد نحو اتخاذ خطوات محددة في ملف الحشد الشعبي.
وقال المحلل السياسي محمد التميمي، إن "ما يجري في العراق لا يمكن قراءته باعتباره تصعيداً أمنياً، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل التوازنات بين بغداد وواشنطن، في ظل ملفات عالقة تتقدمها قضية الفصائل المسلحة وترسانتها العسكرية".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "بعض المؤشرات توحي بأن هناك تفاوضاً غير مباشر يجري عبر أدوات ميدانية، حيث يُستخدم التصعيد كوسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة".
وأشار التميمي إلى أن "الحكومة العراقية تجد نفسها أمام معادلة صعبة، فهي مطالبة بالحفاظ على الاستقرار الداخلي وتفادي الصدام مع الفصائل المسلحة، وفي الوقت ذاته تتعرض لضغوط خارجية تدفع باتجاه إعادة ضبط هذا الملف".
ولفت إلى أن "هذا التوازن الهش قد يدفع باتجاه اعتماد أدوات سياسية وأمنية مرنة، تقوم على احتواء التصعيد بدل الانخراط فيه بشكل مباشر".
وفي السياق ذاته، حذّر رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان، من أن جريمة الاعتداء على البعثات الدبلوماسية في البلاد قد تفرض عليه عقوبات سياسية أو اقتصادية أو مواجهة عزلة دولية نتيجة التقصير في أداء التزاماتها لحماية هذه البعثات من أي اعتداء أو اقتحام أو ضرر.
وأضاف أن "خطورة هذه الجريمة تمتد لتؤثر في العلاقات بين الدول، وقد تؤدي إلى أزمات دبلوماسية حادة أو حتى قطع العلاقات والقانون الدولي أقر مبدأ حرمة البعثات الدبلوماسية حيث تُلزم الدولة المستقبلة باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية هذه البعثات من أي اعتداء أو اقتحام أو ضرر".