زيلينسكي في الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب: دافعنا عن استقلالنا ولم نفقد دولتنا
تتزامن تحركات "مجلس السلام" خلال الأيام الأخيرة مع تحولات ملموسة في مقاربة ملف غزة، حيث يتقدّم منطق إدارة المرحلة على حساب الطروحات الكبرى، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
هذا التزامن بات جزءًا من الإيقاع السياسي الذي يُدار به الملف، خصوصًا مع تزايد الاجتماعات والاتصالات المرتبطة بترتيبات ما بعد التصعيد، وتبلور خطوات عملية داخل القطاع تمسّ البنية الإدارية والأمنية.
وقد انعقد الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن يوم 19 شباط الحالي، بحضور دول التزمت بتمويل إعادة الإعمار والمشاركة في قوة استقرار متعددة الجنسيات، مع إعلان التزامات مالية وعسكرية مرتبطة بإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
يتعامل مجلس السلام مع غزة باعتبارها ملفًا مركّبًا تتداخل فيه اعتبارات الاستقرار الأمني مع متطلبات الإدارة اليومية، في ظل غياب أفق سياسي شامل. التطورات الأخيرة داخل القطاع، ولا سيما تلك المتعلقة بتنظيم العمل الأمني والإداري، تعكس توجهًا عمليًا لإدارة الواقع، وتشكّل في الوقت نفسه اختبارًا لقدرة الأطر السياسية على مواكبة هذه الخطوات وتنظيمها ضمن مسار أوسع.
وأُعلن في غزة خلال الأيام الأخيرة عن خطوات تنظيمية تتعلق بإدارة الشأن الأمني، من بينها بدء إجراءات تشكيل قوة شرطة انتقالية، وفتح باب التوظيف أمام الشبان. هذه الخطوة جاءت في سياق ترتيبات إدارية تهدف إلى تنظيم العمل الميداني وضبط الوضع الداخلي، في ظل استمرار الضغوط الإنسانية وتعقّد الواقع الخدمي داخل القطاع.
يأتي ذلك في وقت عبّر فيه سكان غزة عن مخاوف وانتظارات حقيقية تتعلق بتحويل التعهدات إلى واقع ملموس، وفق تقارير صحفية متعددة، مستذكرين فترات سابقة من التعهدات التي لم تنعكس بشكل جوهري على حياتهم اليومية.
في الأثناء أعلن نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ عن إنشاء مكتب ارتباط وتنسيق مع مجلس السلام للتعامل مع ملف غزة، في خطوة مؤسسية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين المجلس والجهات الفلسطينية الرسمية. بينما أصدرت الإدارة الأمريكية بيانًا يثمن تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة كجزء من خطة أوسع لإنهاء النزاع، ويعتبرها خطوة في تنفيذ خريطة الطريق التي أعلنتها واشنطن.
في سياق موازٍ، اجتمع دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي مع مدير مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، لبحث تطورات ملف غزة، في وقت أظهرت مداولات داخلية تباينًا في مواقف بعض الدول الأوروبية حيال مستوى الانخراط في المجلس الذي تقوده الولايات المتحدة، بين من يدعم المشاركة الكاملة، ومن يفضّل الاكتفاء بالتنسيق السياسي من خارج الإطار المؤسسي.
ويعكس هذا التباين حدود الإجماع الدولي حول المجلس، ويؤشر إلى أن مقاربة غزة لا تزال محكومة بحسابات سياسية مختلفة داخل الكتل الدولية نفسها، ما يؤثر على اتساق أي مسار جماعي طويل الأمد.
وكان مجلس الأمن الدولي تبنى القرار 2803 في تشرين الثاني الماضي، الذي دعم الخطة الشاملة لإدارة مرحلة ما بعد حرب غزة، وأجاز نشر قوة دولية، وتشكيل لجنة وطنية لإدارة الشأن اليومي في القطاع. هذا القرار بات يشكّل أحد الأطر القانونية والسياسية التي يُستند إليها في تحركات مجلس السلام.
ويمنح القرار 2803 غطاءً دوليًا لبعض ترتيبات المرحلة، ويُدرج عمل مجلس السلام ضمن مرجعية أممية قائمة، مع بقاء تطبيق القرار مرهونًا بالتوافقات السياسية والتنفيذية على الأرض.
ضمن الواقع القائم، تتحدد مساحة عمل مجلس السلام في نطاق دعم الترتيبات المرحلية، وتسهيل التنسيق بين المسارات المختلفة، والمساهمة في تقليل مستويات الاحتكاك. هذا الدور لا يحمل صفة الحسم السياسي، لكنه يوفر إطارًا يساعد على إدارة مرحلة انتقالية معقّدة، ويمنح الأطراف مساحة للتعامل مع الوقائع من دون تصعيد إضافي.
في المقابل، تبقى الملفات ذات الطابع السياسي العميق مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية أوسع، ما يجعل الرهان في المرحلة الحالية منصبًا على القدرة على تثبيت الاستقرار، وضبط التحولات، والحفاظ على قابلية المسار القائم للاستمرار.
وبحسب بيانات وتصوّرات أولية جرى تداولها داخل أطر مجلس السلام، طُرحت أفكار لإعادة إعمار واسعة في غزة تشمل برامج سكنية كبيرة النطاق، بكلفة تقديرية تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، ضمن مقاربات تهدف إلى ربط الاستقرار بالإعمار.
غير أن هذه التصورات لا تزال في إطار التخطيط، مع بقاء فجوة واضحة بين حجم الطموحات المعلنة وآليات التنفيذ والحوكمة وتوفير التمويل المستدام.
في المحصلة، يتقدّم ملف غزة داخل مجلس السلام كساحة اختبار لقدرة هذا الإطار على التعامل مع وقائع شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الترتيبات الأمنية مع الهشاشة الإدارية والضغوط الاجتماعية، ضمن بيئة سياسية لا تسمح بتحولات كبرى.
يتحرك المسار القائم وفق إيقاع بطيء ومحسوب، تهيمن عليه حسابات التنفيذ والاستقرار أكثر من الرهانات السياسية الواسعة. وفي هذا السياق، يتحدد وزن مجلس السلام بقدرته على مواكبة المرحلة وضبط تفاعلاتها، لا بصوغ مآلاتها، مع بقاء مستقبل هذا المسار مرهونًا بمدى صموده أمام اختبارات الواقع على الأرض، وتحول الالتزامات المعلنة إلى ترتيبات قابلة للاستمرار.