منذ اللحظة الأولى لاستهداف القيادات العليا للحرس الثوري الإيراني ومراكز القيادة والسيطرة، طُرح سؤال جوهري داخل غرف التحليل العسكري: هل انهارت سلسلة القيادة وتحولت وحدات الحرس المنتشرة في البر والبحر إلى "جزر عملياتية" تعمل وفق أوامر مسبقة؟ أم أن المؤسسة العسكرية الإيرانية استطاعت امتصاص الصدمة واستعادة منظومة الاتصالات بما يسمح بوحدة القرار؟
القراءة الأولية لمراكز الدراسات الغربية والإسرائيلية، مدعومة بآراء خبراء عرب مختصين بالشأن الإيراني، تشير إلى مشهد أكثر تعقيداً من مجرد انهيار كامل أو تماسك كامل. نحن أمام لحظة اختبار لعقيدة القيادة الإيرانية ذاتها.
ضرب مركز الأعصاب
يشير معهد دراسات الحرب (Institute for the Study of War) في تقاريره الأخيرة إلى أن استهداف مراكز القيادة والسيطرة للحرس الثوري خلق فجوة واضحة في منظومة التنسيق العملياتي، خصوصاً في الساعات الأولى من الحرب. التقرير يركز على أن "تحييد القيادات العليا لا يعطل القدرة على الرد فوراً، لكنه يؤثر على مستوى الضبط الاستراتيجي وإدارة التصعيد".
أما مشروع التهديدات الحرجة (Critical Threats Project) التابع لمعهد "أمريكان إنتربرايز"، فقد أشار إلى أن نمط الرد الإيراني - من حيث اتساع رقعته الجغرافية وتعدد مسارحه - يوحي بوجود خطط طوارئ مسبقة، لكنه في الوقت ذاته يعكس تراجعاً في مركزية اتخاذ القرار مقارنة بالمراحل السابقة من المواجهة.
في السياق الإسرائيلي، يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن الضربة لم تستهدف فقط منصات إطلاق أو مخازن سلاح، بل ركزت على "العُقد البشرية" التي تدير التنسيق بين أذرع الحرس المختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى ما يسمى عسكرياً بـ"تشظي القرار العملياتي".
الرد الإيراني.. فوضى أم تفويض مسبق؟
الخبير الأردني عامر السبايلة، مدير معهد لغات الأمن في عمّان، يذهب أبعد من ذلك، معتبراً في تصريحات، لـ"إرم نيوز"، أن "طبيعة الردود الإيرانية أقرب إلى الضرب العشوائي ومحاولة إحداث ضرر في كل مكان، مما يعني أن القيادة ضُربت". ويرى أن التركيز على إطلاق المسيّرات باتجاه أهداف ذات طابع اقتصادي أو بنيوي يعكس إفلاساً عملياتياً أكثر منه استراتيجية مدروسة.
من زاوية أخرى، يرى الباحث العراقي المتخصص بالشأن الإيراني فراس إلياس، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن “نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تحييد جزء مهم من قيادة الحرس خلق إرباكاً على مستوى القيادة والسيطرة، والقيادات البديلة غير مؤهلة حتى الآن لملء الفراغ". وهو يشير إلى أن التخبط الذي ظهر في الساعات الأولى يعكس غياب الضبط الاستراتيجي أكثر مما يعكس خطة تصعيد متكاملة.
لكن القراءة المقابلة التي تطرحها بعض تقارير مؤسسة RAND الأمريكية، تذكّر أن الحرس الثوري بنى منذ سنوات عقيدة "القيادة الموزعة"، وهي عقيدة تقوم على تمكين الوحدات الميدانية من العمل باستقلالية نسبية في حال انقطاع الاتصال بالمركز، خصوصاً في سيناريوهات الحرب الشاملة.
هل تحولت الوحدات إلى جزر منعزلة؟
الباحث السوري محمد صالح الفتيح يطرح فرضية واضحة، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، مفادها أن إيران اعتمدت قيادة موزعة قبل الحرب، وسمّى المرشد عدة بدائل لكل منصب عسكري، لكن بعد الضربة "صارت كل قطعة عسكرية تعمل وحدها دون قيادة عليا". ويستشهد بالتناقضات التي ظهرت في تصريحات رسمية حول إغلاق مضيق هرمز، ما يعكس غياب التنسيق بين المستويين السياسي والعسكري.
هنا تبرز نقطة محورية، كما يقول؛ في العقيدة العسكرية الإيرانية، المرشد الأعلى هو رأس هرم القرار الأمني والعسكري، وهو الذي يعين وزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد الحرس ونوابهم. غياب هذا المركز المرجعي - سواء بالاغتيال أو بالعجز عن التواصل - يخلق فراغاً مؤسسياً لا يمكن سده بسهولة.
تقارير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) تشير إلى أن أي مرحلة انتقالية في إيران بعد غياب المرشد ستنعكس فوراً على تماسك المؤسسة العسكرية؛ لأن شرعية القرار العسكري مستمدة دستورياً من موقع المرشد نفسه.
الاتصالات.. هل يمكن إصلاحها؟
الخبير السبايلة يرى أن ضرب منظومة الدفاع الجوي ومراكز القيادة خلال اليومين الأول والثاني يعني عملياً سيطرة جوية أمريكية - إسرائيلية، ما يجعل إعادة بناء شبكة اتصالات مركزية أمراً بالغ الصعوبة. فيما يشير الفتيح إلى أن اضطرار القيادات للاجتماع في مواقع معروفة قد يكون دليلاً على خلل عميق في الاتصالات الآمنة.
في المقابل، يشير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن إيران تمتلك شبكات اتصالات بديلة، تشمل أنظمة سلكية داخلية، موجات قصيرة، وشبكات عسكرية مغلقة، ما يجعل انهيار الاتصالات بشكل كامل أمراً مستبعداً، وإن كان مستوى التنسيق قد تراجع.
الفارق هنا بين "انقطاع كامل" و"تراجع في الكفاءة"، ذلك أن استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات يوحي بوجود حد أدنى من الاتصال أو بتفعيل بروتوكولات طوارئ معدّة سلفاً. لكن غياب الدقة الاستراتيجية وتعدد الرسائل السياسية قد يعكس أن القيادة الجديدة لم تستعد بعد وحدة القرار.
الانقسام الداخلي.. مرحلة ما بعد المرشد
واحدة من أخطر الفرضيات التي يطرحها الخبراء هي احتمال نشوء مرجعيات غير مركزية داخل الحرس الثوري نفسه. الباحث فراس إلياس يشير إلى أن التحدي أمام علي لاريجاني - باعتباره شخصية معنية بإدارة السياسات الأمنية - لا يتعلق فقط بمرحلة انتقال سياسي، بل بإعادة ترميم الضبط العسكري.
السبايلة يحذر من أن الانتقال إلى تفعيل "كل الأوراق" - من الضربات العشوائية إلى تحريك خلايا نائمة - قد يكون مؤشراً على غياب غرفة عمليات موحدة قادرة على إدارة حرب متوازنة. هذه القراءة تتقاطع مع تحليلات صادرة عن مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية في إسرائيل، التي ترى أن تفكك القيادة قد يدفع إيران إلى تبني استراتيجيات غير تقليدية لتعويض الخلل في القيادة المركزية.
في المقابل، يذكّر بعض الباحثين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي بأن النظام الإيراني تاريخياً أظهر قدرة على إعادة إنتاج قياداته بسرعة، مستنداً إلى شبكة مؤسساتية متداخلة بين الحرس والمجلس الأعلى للأمن القومي.
بين انهيار القيادة ومرونة التنظيم
المشهد الراهن لا يقدم دليلاً قاطعاً على انهيار كامل أو استعادة كاملة للقيادة. المؤشرات تشير وفقا لمراكز دراسات وتقديرات الخبراء إلى:
- إرباك حقيقي في منظومة القيادة والسيطرة.
- استمرار عمليات عسكرية يوحي بوجود خطط طوارئ جاهزة.
- تراجع واضح في الضبط الاستراتيجي وتماسك الرسائل السياسية.
- احتمال بروز مراكز قرار متعددة في المرحلة الانتقالية.
السؤال الأهم اليوم، وفقا للخبراء ليس فقط، هل استعاد الحرس الثوري اتصالاته؟ بل، هل يستطيع النظام الإيراني إعادة إنتاج مركز قرار موحد قبل أن يتحول هذا التشظي إلى أزمة بنيوية داخل المؤسسة العسكرية؟
يعتقد الخبير محمد صالح الفتيح أنه "في الحروب الكبرى، لا يعني استمرار إطلاق النار أن القيادة بخير. أحياناً يكون إطلاق النار ذاته هو الدليل على غيابها".