في تقليد سياسي فرنسي عريق، تحولت "زيارة الجزائر" إلى محطة شبه إلزامية لكل طامح في الوصول إلى قصر الإليزيه. من فرانسوا ميتران إلى إيمانويل ماكرون، مروراً بنيكولا ساركوزي وفرانسوا أولاند، جميعهم مروا عبر العاصمة الجزائرية قبل خوض المعركة الرئاسية.
لكن زيارة سيغولين رويال الأخيرة نهاية يناير 2026، في وقت تشهد فيه العلاقات بين باريس والجزائر أسوأ مراحلها، تكتسب بعداً خاصاً، حيث نجحت في تحويل أزمة دبلوماسية إلى "انقلاب سياسي" قد يعيد ترتيب أوراق السباق الرئاسي لعام 2027.
يكشف الدبلوماسي الفرنسي السابق كزافييه دريانكور، في مقال نشرته مجلة "لوبوان" الفرنسية، أن زيارة الجزائر قبل الانتخابات الرئاسية أصبحت طقساً راسخاً في الحياة السياسية الفرنسية.
السبب بسيط وحسابي: نحو 10% من الناخبين الفرنسيين لهم صلة بالجزائر، سواء كانوا من الأقدام السوداء (المعمرين الفرنسيين السابقين)، أو الحركي (الجزائريين الذين قاتلوا مع فرنسا)، أو الجزائريين المقيمين في فرنسا، أو الفرنسيين من أصول جزائرية، أو حتى العسكريين السابقين الذين خدموا هناك.
هؤلاء المرشحون يدركون جيداً أنهم في الجزائر، كل ما يقولونه هناك يُسمع ويُحلل في باريس ومرسيليا. تصريحاتهم حول الاستعمار والإسلام والهجرة تخضع لتدقيق شديد على ضفتي المتوسط.
يلاحظ دريانكور أن الجزائر باتت وجهة مفضلة لسياسيي اليسار الفرنسي، بينما يفضل اليمين المغرب، خاصة مراكش.
في الجزائر، يجري المرشحون لقاءات رسمية لطمأنة السلطات الجزائرية بشأن "نقاء نواياهم" ورغبتهم في المصالحة، ويلتقون بما يُسمى "المجتمع المدني"، ويقومون بـ"جولات ميدانية" قد تتحول أحياناً إلى مشاهد محرجة، كما حدث مع جاك شيراك ثم ماكرون، حين طالبهم المواطنون بتأشيرات.
الزيارة إلى الجزائر "تمرين صعب" بحسب دريانكور. فنيكولا ساركوزي قال هناك، إن "النظام الاستعماري كان ظالماً بطبيعته ولا يمكن أن يُعاش إلا كمشروع استعباد واستغلال"، لكنه اضطر في اليوم التالي لطمأنة جمعيات الأقدام السوداء في فرنسا.
أما ماكرون، فقد أثار عاصفة حين صرح في 12 فبراير 2017 بأن "الاستعمار الفرنسي كان جريمة، همجية حقيقية، جريمة ضد الإنسانية". لكنه سارع في اليوم التالي إلى طولون ليعتذر أمام جمعيات المعمرين العائدين عن تصريحاته.
اختار فرانسوا أولاند أيضاً سلالم كاتدرائية نوتردام دافريك بالجزائر، أمام تمثال الكاردينال لافيجري، ليعلن أنه سيكون "رئيساً عادياً".
زيارة سيغولين رويال نهاية يناير 2026، رسمياً باسم جمعية فرنسا-الجزائر، كانت استثنائية التوقيت: جاءت في ذروة القطيعة الدبلوماسية بين البلدين. استُقبلت من الرئيس تبون كرئيسة دولة، أجرت مقابلات صحفية متعددة، وسُمح لها بزيارة الصحفي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في سجن كوليا.
يرى دريانكور أن رويال نجحت في تحقيق "انقلاب سياسي" بهذه الزيارة. فمن جهة، أبقت على وجودها في المشهد السياسي عبر جمعية فرنسا-الجزائر، وأجبرت الرئيس والحكومة على الحسبان لها.
ومن جهة أخرى، استحوذت على "ملف الجزائر" الذي تعرف أهميته في النقاش السياسي الفرنسي قبيل انتخابات 2027.
الأهم أنها قد تدّعي أنها حققت في أسبوع، بـ"أسلوب الحوار"، ما عجزت عنه الحكومة الفرنسية في عشرين شهراً، خاصة إذا تم الإفراج عن غليز.
من الجانب الجزائري، يؤكد دريانكور أن الرئيس تبون "فهم تماماً الفائدة التي يمكن أن يجنيها من سيغولين رويال، التي يستغلها". فبتسهيل مهمتها ومنحها امتيازات استثنائية، يحرج باريس ويظهر أن هناك "طريقاً آخر" للتعامل مع الجزائر.
فحتى في زمن الأزمات، يبقى "الطريق إلى الإليزيه" يمر عبر الجزائر، وسيغولين رويال أعادت إحياء هذا التقليد بذكاء سياسي لافت.