يرى أستاذ أنثروبولوجيا الغذاء، خيسوس كونتريراس، أن التقدم التكنولوجي في صناعة الأغذية، إلى جانب أساليب التسويق الحديثة، غيّر علاقتنا بالطعام بشكل جذري، حتى أصبح من الصعب على المستهلك التعرّف إلى ما يأكله فعلياً.
وفي تحليل نشرته منصة هاف بوست، يشير كونتريراس إلى أن انتشار عبارات مثل "حقيقي" و"أصيل" و"تقليدي" في واجهات المتاجر والمنتجات ليس مصادفة، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بفقدان المعايير الثقافية التي كانت تساعد الناس على تمييز الطعام.
ويقول إن الجمع بين التكنولوجيا الغذائية والتسويق "دمّر مرجعياتنا الثقافية في فهم الطعام"، موضحاً أن التقنيات الحديثة أصبحت قادرة على تعديل الملمس والطعم والمظهر إلى درجة يمكن معها تصنيع منتجات تشبه أطعمة معروفة دون أن تكون هي نفسها.
وتظهر هذه الظاهرة في أمثلة يومية، مثل منتجات تبدو كأنها سمك رغم احتوائها على نسب ضئيلة منه، أو مستحضرات تحاكي الجبن دون أن تكون جبناً حقيقياً، إضافة إلى اللحوم المصنعة التي تحتوي على كميات محدودة من المادة الأصلية. وغالباً ما تكشف الملصقات الغذائية عن خلطات تضم نشاء وماء ومنكهات ومكونات أقل جودة.
ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن تلك المنتجات "مزيفة"، لكنها، بحسب كونتريراس، ابتعدت عن الفهم التقليدي لماهية الغذاء، ما جعل الحواس مثل الطعم والرائحة والمظهر أقل قدرة على كشف حقيقة ما نتناوله.
ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن الابتكار الغذائي جلب فوائد مهمة، مثل تحسين السلامة الغذائية وخفض الأسعار وإتاحة المنتجات طوال العام، فضلاً عن إطالة مدة صلاحيتها. لكن هذا التقدم نفسه أسهم في طمس الحدود بين الطبيعي والمصنّع.
وفي مواجهة هذا الغموض، يتجه كثير من المستهلكين نحو المنتجات المحلية أو التقليدية أو تلك المرتبطة بمنشأ محدد، في محاولة لاستعادة الثقة ومعرفة مصدر الطعام الذي يصل إلى موائدهم.
ويخلص كونتريراس إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أننا نعيش اليوم في زمن وفرة غذائية غير مسبوقة، ومع ذلك أصبح التعرف إلى ما نأكله تحدياً حقيقياً.