أثار قرار استحداث وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل في الجزائر لجنة خاصة للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، ضمن خطة تمتد بين عامي 2026 و2029، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، في ظل منحها صلاحيات التدخل داخل المؤسسات التعليمية والدينية في الولايات الجزائرية المختلفة.
وقد فتح هذا القرار باب النقاش على منصات التواصل الاجتماعي حول طبيعة الظاهرة المتنامية، والسبل الأنجح لمعالجتها دون الإخلال بخصوصية الفضاءات التربوية والدينية، وفق وكالة الأنباء الجزائرية "وأج".
وتركّز جانب كبير من الجدل على آليات عمل اللجنة، خاصة ما يتعلق بالرصد المبكر والإنذار، حيث يرى منتقدون أن إدماج أدوات رقابية أو أمنية داخل المدارس والمساجد قد يهدد طبيعة هذه المؤسسات، ويحوّلها من فضاءات للتنشئة والتوجيه إلى بيئات خاضعة للمراقبة والوشاية بالآخرين، بما قد ينعكس سلبًا على مناخ الثقة الضروري للعمل التربوي والدعوي.
وفي المقابل، يدافع مؤيدو القرار عن ضرورته، معتبرين أن المدارس والمساجد تمثل خطوط الدفاع الأولى ضد الانحرافات السلوكية، وأن التدخل الوقائي المبكر داخلها يسهم في حماية النشء من الاستقطاب نحو عصابات الأحياء، باعتبار أن هذا الاتجاه يُمثل معالجة فعالة لا يمكن أن تظل حبيسة المقاربة الأمنية التقليدية، بل تتطلب حضورًا تكامليًا داخل الفضاءات المؤثرة في تشكيل الوعي.
وتندرج هذه الخطوة، وفقاً للوكالة الجزائرية، ضمن توجه استراتيجي لتعزيز الأمن المجتمعي، بإشراف مباشر من وزير الداخلية السعيد سعيود، حيث أكدت الجهات المعنية أن اللجنة الجديدة لا تمثل إجراءً روتينيًا، بل بداية مسار أكثر حزمًا في مواجهة الظاهرة، في ظل تناميها واتساع نطاقها الجغرافي والاجتماعي.
من الناحية القانونية، تُعرّف التشريعات الجزائرية عصابات الأحياء بوصفها أي تجمع مكوّن من شخصين أو أكثر يهدد أمن الأحياء، وتفرض عقوبات مشددة على المتورطين، تصل إلى السجن من 10 إلى 20 عامًا لقادة العصابات، ومن 5 إلى 10 سنوات للأعضاء، مع تشديد إضافي في حال استخدام أسلحة بيضاء أو نارية، ما يعكس صرامة المقاربة الردعية للدولة.
في السياق ذاته، يحذر خبراء تربويون واجتماعيون من خطورة تسرب هذه الظاهرة إلى المؤسسات التعليمية، معتبرين أن ذلك يشكل تحديًا مضاعفًا، إذ يهدد بيئة يفترض أن تكون حاضنة للقيم والانضباط، فيما يؤكد هؤلاء ضرورة تفعيل دور المدارس والمساجد وجمعيات الشباب في التوعية، ضمن تنسيق متوازن يحفظ الاختصاصات ويمنع تضارب الأدوار.
وتعزز الأرقام الرسمية الصادرة عن المصالح الأمنية الجزائرية من وجاهة القلق القائم حول تنامي ظاهرة عصابات الأحياء، إذ تشير التقارير إلى تفكيك 162 عصابة خلال عام 2025-2026، وتوقيف 861 شخصًا، إلى جانب تفكيك 1395 شبكة إجرامية، وحجز أكثر من 21 طنًا من المخدرات و13 مليون قرص مهلوس.
كما لوحظ امتداد نشاط هذه العصابات من الأحياء القديمة إلى التجمعات السكنية الحديثة، ما يعكس تحولًا نوعيًا في انتشارها.
في ضوء ذلك، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تفكيك العصابات، بل في بناء مقاربة شاملة توازن بين الردع والوقاية، وتحافظ في الوقت ذاته على قدسية المؤسسات التربوية والدينية، باعتبارها شريكًا أساسيًا في حماية النسيج الاجتماعي، لا مجرد ساحة لتوسيع نطاق الرقابة وحسب.