منذ الليلة الأولى لعرضها على خشبة "مسرح المدينة" بالعاصمة بيروت، نجحت المسرحية اللبنانية "حب في شبه مدينة" في لفت الأنظار بقوة بسبب طابعها الرمزي التجريدي ورؤيتها التي تجمع بين المنظور القاتم في رؤية العالم والتمسك في نفس الوقت بالأمل كأداة لمقاومة القبح.
ينتمي العمل إلى ما بات يُعرف بـ"سرديات نهاية العالم" ويقصد بها تلك الأعمال الإبداعية من الأفلام والروايات والمسرحيات التي تتنبأ بدمار نهائي يصيب الحياة على كوكب الأرض ولا يتبقى سوى حفنة من البشر تحاول النجاة وسط واقع له طابع كابوسي.

لا يشير اسم المسرحية، التي أخرجتها لينا العسيران، تأليف حسن مخزوم، إلى مدينة بعينها سواء على مستوى العالم العربي أو العالم، وتلك تفصيلة ضرورية للغاية، لترسيخ المضمون الإنساني العام للعرض.
ويجسد كل من الفنانين ميران ملاعب وروى حسامي الشخصيتين الرئيسيتين في العمل، امرأة غلبها الخوف واليأس مما يحدث في عالم منهار وبشر قد يضحون بأي شيء لمجرد البقاء على قيد الحياة ليوم آخر، ورجل عابر سبيل يحط رحاله إلى جوارها وهو يتحسس موضع خطواته بحذر.

ولا يحمل الاثنان أسماء، مجرد "هي" و"هو"، أنثى وذكر عليهما أن يستعيدا إنسانيتهما وسط قانون القوة والفجاجة وأطلال عالم كان جميلا، لا مناص أمامهما من مد خيط الثقة والمحبة على استقامته في حالة عاطفية تتجاوز الانجذاب التلقائي بين الجنسين إلى الرغبة العارمة في التكاتف معا لمقاومة الخراب.
يقال كل ذلك بلغة العيون وحركات الجسد الراقصة، مع ألحان وغناء وعزف زياد الأحمدية، في لوحة بصرية مدهشة ترفع شعار: "حين يكون التلميح كافيا، فلا داع للتصريح".

ورغم أن الحوار محدود للغاية، والتواصل الأبرز يأتي عبر العيون والجسد، فإن ما يقال من عبارات بين الرجل والمرأة يبدو شديد الدلالة على قلته مثل عبارة "أصبحتُ حشرة من فرط ما غفوتُ على الرصيف" و عبارة"تبدأ الثورات في الصباح الباكر، لكنني لم أستيقظ على رنّة المنبّه".