لا تعد الحكايات المشوقة المكتوبة بأسلوب مبسط يناسب جمهور المراهقين والشباب صغار السن مجرد مصدر لتسلية عابرة مؤقتة، بل هي نافذة للخيال وأداة لتشكيل الوجدان من خلال ما تتضمنه من قيم تربوية وأخلاقية عبر حبكة درامية تتميز بالإثارة والمتعة.
تلك هي الفكرة الأساسية التي يطرحها الكاتب أحمد عبد المجيد في كتابه "بوب فيكشن – كيف غيرت روايات الجيب حياتي" الصادر عن دار "الرواق" في القاهرة، والذي يرصد تأثير روايات الجيب كأدب شعبي جماهيري في أجيال متوالية من القراء العرب.
ويأتي على رأس تلك الروايات التي اشتُهرت بالحجم الصغير والأغلفة المثيرة والرسومات الملهمة سلسلة "أرسين لوبين – اللص الظريف" التي دشنها الروائي الفرنسي موريس لوبلان، وأطلقت مخيلة الأجيال حين تُرجمت إلى العربية في طبعات متوالية تتخاطفها الأيدي.
ويتسم أرسين لوبين بالشرف والشهامة، فهو لا يهدف من وراء مغامراته إلى تحقيق الثراء السهل أو المال الوفير، وإنما إلى تقديم الجناة إلى العدالة وضمان عدم إفلات الأشرار من العقاب، مستغلا ذكاءه وبراعته وقدراته الشخصية.
ويتطرق الكتاب إلى تجربة الكاتب البريطاني أرثر كونان دويل مبتكر شخصية المحقق الشهير "شيرلوك هولمز" الذي تربت على سلسلة أعماله أجيال متوالية من الشباب العربي، حفظت عباراته الشهيرة وطريقته الخاصة في السخرية اللاذعة من خصومه.
وسُحر القارىء العربي بقدرات هولمز البارعة في التخفي والتمويه وحل ألغاز أصعب القضايا التي يعجز عن فك طلاسمها رجال الشرطة والمحققون التقليديون، في مبادرات نبيلة يتطوع بها دون أغراض خاصة.
وتأتي في هذا السياق شخصية المحقق "بوارو" التي ابتكرتها الكاتبة البريطانية الأشهر أجاثا كريستي الملقبة بـ "ملكة الروايات البوليسية"، والتي قدمت للعالم روائع الألغاز والغموض على مر عقود طويلة.
ورغم أن هذا المحقق ظهر للوجود على خلفية التأثر بنجاح "شيرلوك هولمز"، فإن كريستي نجحت في منحه العديد من السمات المميزة مثل تأنقه الزائد وتعبيرات السذاجة التي تظهر على وجهه ويخدع بها الآخرين.
ويرصد المؤلف عددا من أبرز التجارب العربية التي سارت على نهج تلك النماذج العالمية، وأبرزها الكاتب محمود سالم مبتكر سلسلتي المغامرات والتشويق" الشياطين الـ 13" و"المغامرون الخمسة"، فضلا عن سلسلة الجاسوسية والإثارة الشهيرة التي حملت عنوان "رجل المستحيل" للكاتب نبيل فاروق.