يتجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الصين في زيارة تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة يمكنه التفاخر بها أمام ناخبيه، بينما يظل جزء آخر من أجندته التجارية مصنفاً ضمن القضايا "شديدة الصعوبة".
وتأتي الزيارة في ظل ضغوط متزايدة من الحلفاء الغربيين على بريطانيا، لدعم موقف صارم تجاه الإفراط في الإنتاج الصناعي الصيني، فيما تستعد المملكة المتحدة للتعامل مع تحديات التجارة العالمية المتشابكة، وفق "بولتيكو".
وأرسلت وزارة التجارة البريطانية عدة وفود إلى بكين خلال الخريف الماضي، لوضع أسس الزيارة التي تبدأ رسميًا، بهدف التركيز على الصفقات الأقل حساسية، بعيدًا عن القضايا المثيرة للجدل.
ويضم وفد ستارمر كبار المسؤولين التنفيذيين للشركات البريطانية الكبرى، بما في ذلك HSBC، وستاندرد تشارترد، وشرودرز، ومجموعة بورصة لندن، إلى جانب شركات أسترازينيكا، وجاكوار لاند روفر، وأوكتوبوس إنرجي، وبرومبتون، ويرافقه وزراء التجارة والمالية.
تركز الأولويات البريطانية على تحسين الوصول إلى السوق الصينية في مجالات الخدمات، والاعتراف بالمؤهلات المهنية، وتسهيل السفر القصير دون تأشيرة.
وتسعى المملكة المتحدة إلى السماح للمهنيين، من محاسبين ومصممين ومهندسين معماريين، بممارسة أعمالهم دون الحاجة لإعادة الترخيص محليًا، وتقليل القيود الإدارية على السفر بغرض العمل أو التبادل القصير.
ومع أن الصين تحرص على حماية سوقها المحلي، فإن بعض هذه المطالب أكثر صعوبة من القول، خاصة في ظل الحذر الصيني تجاه الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية.
ومع ذلك، يأمل البريطانيون في تكرار تجربة كندا، التي فتحت رحلات دون تأشيرة بعد زيارة رئيس وزرائها السابقة، لتسهيل الحركة والتواصل بين رجال الأعمال والمستثمرين.
يتجه رئيس هيئة السلوك المالي البريطاني، آشلي ألدر، إلى بكين لتعزيز التعاون بين أسواق رأس المال، مع التركيز على برنامج ربط الأسهم بين لندن وشنغهاي وشنتشن.
ومن خلال هذا البرنامج، يهدف المسؤولون إلى تسريع تبادل المعلومات المالية ومراقبة الشركات المدرجة عبر الحدود، مع الحفاظ على سيادة البيانات وحماية المستثمرين.
ويُظهر البرنامج إمكانات كبيرة، فقد وصل إجمالي الإدراجات إلى نحو 6 مليارات دولار منذ 2019، لكن العقبات التقنية ما زالت تعيق تحقيق كامل إمكاناته.
هذه الجهود تعكس رغبة بريطانيا في تعميق العلاقات المالية مع الصين دون التعرض لمخاطر اقتصادية أو سياسية كبيرة.
تسعى بريطانيا إلى تعزيز مكانتها كمركز عالمي لعلوم الحياة، مستفيدة من طفرة التكنولوجيا الحيوية الصينية.
وبرزت الصين بسرعة في مجال الأدوية المبتكرة، حيث ارتفعت حصتها في الموافقات العالمية من 4% عام 2014 إلى 27% عام 2024، متجاوزة أوروبا في بعض المجالات.
وتسعى شركات مثل أسترازينيكا وGSK إلى توقيع اتفاقيات شراكة مع شركات صينية لتبادل الخبرات والتراخيص، بما يسمح بإطلاق أدوية جديدة بسرعة أكبر، ويجعل المملكة المتحدة مركزًا دوليًا للموافقة السريرية والإشراف التنظيمي، ما يعزز الاستثمار المباشر.
وفي ملف آخر، تسعى المملكة المتحدة إلى خفض الرسوم الجمركية على الويسكي والبراندي، بعد أن ضاعفت الصين تعريفاتها في 2025.
الهدف واضح: فتح السوق الصينية أمام المنتجات البريطانية التقليدية دون خرق قواعد منظمة التجارة العالمية، وهو تحدٍ يتطلب تفاوضًا دقيقًا مع بكين.
بينما تتجه المباحثات نحو قطاعات أقل حساسية، تبقى مشاريع البنية التحتية الكبيرة، مثل توربينات الرياح ومزارع الطاقة البحرية، موضوعًا حساسًا للغاية.
ولم تحسم المملكة المتحدة بعد قرار السماح لشركة مينغ يانغ الصينية بالاستثمار في مزرعة رياح قبالة سواحل اسكتلندا بقيمة 1.5 مليار جنيه إسترليني، إذ يشكل ذلك خطرًا محتملاً على السيادة الاقتصادية والتكنولوجيا الحيوية.
كما تمثل زيارة ستارمر إلى الصين مزيجًا من الفرص الاقتصادية المحدودة والقضايا الصعبة المعقدة.