لا تزال الكنافة اليدوية المصنوعة عبر "الأفران البلدي"، المنتشرة في مصر خلال شهر رمضان المبارك، تحافظ على حضورها المتماسك في مائدة الحلويات المصرية التقليدية.
ففي خضم الطفرة الواسعة في أصناف الحلوى الشرقية والغربية المستحدثة، التي تتزاحم في الأسواق خلال شهر رمضان، لا تزال الكنافة البلدية أو اليدوية تنافس بهدوء، مستفيدة من بساطة مكوناتها وسعرها الزهيد، الذي يجعلها خيارًا مفضلًا يجتذب البُسطاء.

وتستمر هذه الحلوى الشعبية كإحدى الموروثات الثقافية المتجذرة منذ قرون طويلة، برغم زحام المشهد الرمضاني بأنواع متعددة من الحلوى المُرتبطة في كثير من الأحيان بأنماط استهلاكية جديدة تميل إلى التقليد والمباهاة أكثر من ارتباطها بالجذور والثقافات الشعبية المحلية.
وبحسب باحثين في التراث المصري، فإن الكنافة البلدية أو اليدوية المصنوعة على صاج ساخن من النحاس تعود جذورها إلى العصر الفاطمي قبل نحو ألف عام، حيث كانت آنذاك تُقدم كحلوى مميزة على موائد قصور الحكام، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى البيوت، ثم إلى الشوارع والأسواق مع مرور الزمن، لتصبح لاحقًا إحدى العلامات الرمزية المرتبطة بطقوس شهر رمضان المبارك في مصر.
ويرى الباحثون في التراث المصري أن سر تميّز الكنافة اليدوية لا يتمثل في مكوناتها البسيطة بقدر ما يكمن في الخبرة الشعبية المتوارثة عبر الأجيال، فقد اعتاد المصريون صناعتها بالطريقة التقليدية ذاتها، بمكونات محدودة، دون إدخال تعديلات كبيرة قد تفقدها طابعها الأصيل ونكهتها المرتبطة بالذاكرة الجمعية للمجتمع.
وتُصنع الكنافة البلدية من خليط بسيط مكون فقط من الدقيق والماء، مع إضافة الفانيلا لإضفاء النكهة والرائحة وحسب، ويُسكب العجين السائل في قالب معدني مثقوب من الأسفل بفتحات دائرية طويلة، ليتساقط على هيئة خيوط دقيقة تُرش يدويًا فوق صاج دائري ساخن.

وبعد ذلك، تبدأ عملية الرش بدائرة واسعة تتقلص تدريجيًا نحو المركز، ثم تُعاد الحركة بطريقة تعامدية، وفي غضون ثوانٍ قليلة تنضج الكنافة، قبل أن تُسحب باليد من فوق الصاج النحاسي الساخن وتُطوى، لتصبح جاهزة للبيع بأسعار زهيدة لا تتجاوز نحو 40 جنيهًا للكيلوغرام الواحد، أي ما يُعادل أقل من نحو دولار أمريكي.
أما مرحلة إعدادها للأكل فتأتي أبسط من صناعتها، إذ يفضل كثير من محبي الكنافة البلدية عدم تحميرها في الأفران المنزلية، وإن اختلفت طرق تقديمها من محافظة إلى أخرى. ففي مناطق الصعيد والأقاليم تُخلط عادة بالزبدة الفلاحي والسكر وتُسخن قليلًا على النار حتى تمتزج المكونات ببعضها البعض، ثم تُقدم مباشرة.
وفي طرق أخرى تُوضع في صينية منزلية ويُرش عليها شربات الفراولة الأحمر لإضفاء اللون واستبدال السكر، بينما يختار قلائل بطرق مُستحدثة تحميرها في الفرن ثم سقيها بالشربات المصنوعة من السكر والليمون أو سكر الجلوكوز.
ووفقًا للباحثين، فإن العاملين في صناعة الكنافة البلدية يمارسون هذه الحرفة العتيقة بنظام المواسم، إذ تنشط بصورة أساسية خلال شهر رمضان المبارك فقط، حيث تُقام وتعتمد صناعتها في خيام صغيرة في الشوارع تُجهز بمعدات محدودة للغاية: صاج للخبز، وأسطوانة غاز، وقالب رش معدني، إضافة إلى ميزان وورق للتغليف.
هذه البساطة المُتناهية في الأدوات والتكاليف جعلت من الكنافة اليدوية حرفة رمضانية موسمية متوارثة عبر القرون، تُزين موائد الفقراء والبسطاء في البيوت المصرية.
يأتي ذلك، في وقت تميل فيه الأسر الميسورة إلى تنويع موائدها بأصناف أخرى من الحلويات المُستحدثة، وإن كان بعضهم يُفضلها في بعض الأحيان.