في حروب الدول، تتحدد الغنائم بالأرض والنفوذ. أما في حروب العملات، فتُقاس بحصص السوق والثقل الجيوسياسي، وحين اشتعلت الحرب في إيران، لم تكن العملات بمنأى عن المعركة، بل كانت ساحة موازية بامتياز.
فعلى خلاف ما كان متوقعاً، لم تستفد العملات "المحايدة" من الأزمة، وفق ما ذكرت صحيفة "ليزيكو" الفرنسية، فكما الفرنك السويسري، وجد اليورو الذي اختار موقف الدبلوماسي المتحفظ، نفسه يخسر الأرض أمام عملتي البلدين المتحاربين: الشيكل الإسرائيلي والدولار الأمريكي، اللذين ارتفع كلاهما على مدار الشهر الماضي.
وأكدت الصحيفة أن هذا أمر لافت؛ إذ طالب البنتاغون بـ200 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب، وهو ما كان يُفترض أن يُثقل كاهل الدولار بعبء الديون.
غير أن العكس تماماً هو ما حدث؛ فالدولار يرى في هذا النزاع فرصة لتوسيع نفوذه في الشرق الأوسط، وتحييد التيار الداعي إلى "إزاحة الدولار" من عرشه.
تُحلّل الصحيفة المشهد بمنظور تاريخي بالغ الدلالة. فحين عجزت بريطانيا عن الاضطلاع بدور شرطي العالم ومصرفيه ومبتكره في آنٍ واحد، بدأ الجنيه الإسترليني يتراجع أمام الدولار. واليوم، تصرّ الولايات المتحدة على ألا تعيش المصير ذاته.
الدول التي تربطها بواشنطن أحلاف عسكرية وعلاقات جيوسياسية تستثمر بشكل أكبر في الدين الأمريكي كنوع من "رد الجميل" على الحماية المقدَّمة لها. هذه المنظومة تُشكّل ما يشبه "الناتو النقدي"، الذي يضمن للدولار موقع الصدارة، فيما يبقى اليورو في "المقعد الخلفي من التاريخ".
غير أن ثمة فرصة سانحة، وفق ما رصده التقرير، فالمخاوف المتزايدة في الأسواق من هشاشة الاقتصاد الأمريكي، في ظل عودة دونالد ترامب، تدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل المخاطر، مما يفتح أمام اليورو نافذة لاستعادة حصته السوقية.
وقد رصد مجلس التحليل الاقتصادي الفرنسي هذه الفرصة، إذ أصدر ثماني توصيات "هجومية" لتعزيز الانتشار العالمي لليورو، وتؤكد دراسة لمجموعة أليانز، أن "دولية اليورو لن تتحقق من تلقاء نفسها"، وأن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى برنامج إصلاحي طموح لرفع القيود البنيوية المزمنة.
ومن أبرز التوصيات: إدراج بنود تدعم التعامل باليورو في الاتفاقيات التجارية التي تتفاوض عليها المفوضية الأوروبية، استلهاماً من النموذج الأمريكي الذي يُروّج للدولار في كل اتفاقية تجارية يُبرمها.
وعلى صعيد السياسة النقدية، يرى التقرير أن البنك المركزي الأوروبي قادر على تعزيز دور اليورو عبر توسيع اتفاقيات السيولة مع البنوك المركزية خارج منطقة اليورو. كما أن تطوير القطاعات الاستراتيجية الأوروبية من طاقة متجددة وهيدروجين وتكنولوجيا دفاعية يُتيح هيكلة سلاسل توريد مقوّمة باليورو.
الخلاصة التي يصل إليها التقرير جريئة في صراحتها: كما يحتاج الدولار إلى البحرية الأمريكية، يحتاج اليورو إلى "جيش" عسكري ومالي معاً، فالسيادة النقدية لا تنفصل عن الاستقلال الدفاعي.
وليس من قبيل المصادفة أن اليورو ارتفع بنسبة 1% فور إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون عن بناء حاملة الطائرات الجديدة "فرانس ليبر" فالأسواق تُدرك أن القوة العسكرية ترجمة للقوة النقدية.
وفي المحصلة، تبقى المعركة بين اليورو والدولار انعكاساً أميناً للمعركة الأشمل: من يملك القوة، يملك العملة.