سجّلت الصين في الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025 فائضًا تجاريًا غير مسبوق تجاوز تريليون دولار أمريكي، في سابقة تاريخية لم تشهدها أي دولة من قبل.
ويأتي هذا الرقم اللافت في وقتٍ يقل فيه الناتج المحلي الإجمالي لنحو 160 دولة حول العالم عن هذا المستوى، ما يعكس الحجم الاستثنائي للاختلال في التجارة العالمية، بحسب صحيفة "يوراسيان تايمز".
الأكثر إثارة للانتباه أن هذا الإنجاز تحقق رغم الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، أكبر سوق تصديري للصين، ورغم التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
غير أن هذا "النجاح" الظاهري يخفي وراءه مخاطر عميقة، تدفع خبراء الاقتصاد إلى اعتباره نذير شؤم عالميًا بدلًا من كونه مصدر طمأنينة.
لم تكن الصين دائمًا "مصنع العالم" ؛ ففي أواخر سبعينيات القرن العشرين، فتحت الولايات المتحدة الباب أمام بكين في إطار تقارب استراتيجي هدفه إضعاف الاتحاد السوفيتي.
وخلال الثمانينيات، نقلت واشنطن التكنولوجيا ورأس المال إلى الصين، ما أرسى الأسس الأولى لصعودها الصناعي.
في العقود التالية، انتقلت ملايين الوظائف الصناعية منخفضة الأجور من الولايات المتحدة والغرب إلى الصين، مدفوعة بعوامل متعددة، أبرزها سعي الاقتصادات الغربية إلى التحول نحو الخدمات والقطاع المالي، إضافة إلى تشديد القوانين البيئية.
وبحلول منتصف التسعينيات، بدأت الصين تسجّل فوائض تجارية متواضعة.
قفز الفائض التجاري من نحو 12 مليار دولار العام 1995 إلى أكثر من 124 مليارًا العام 2005، ثم إلى 359 مليار دولار في 2015، قبل أن يتضاعف ثلاث مرات تقريبًا ليكسر حاجز التريليون دولار في 2025.
وكانت الولايات المتحدة الشريك الأكثر مساهمة في هذا الفائض. فقد بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الصين ذروته عند 418 مليار دولار في 2018، ولا يزال يتراوح بين 300 و350 مليار دولار سنويًا، رغم تراجعه النسبي في 2025.
لكن مع تراجع الصادرات الصينية إلى السوق الأمريكية، لجأت بكين إلى تنويع وجهاتها التجارية، مع زيادة ملحوظة في الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي ودول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان)، وأستراليا، ما سمح لها بتعويض أثر الرسوم الجمركية الأمريكية.
يعكس الفائض التجاري الصيني قوة تنافسية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يثير قلقًا متزايدًا لدى الشركاء التجاريين؛ إذ تعتمد الصناعات الصينية بشكل واسع على الدعم الحكومي، ما يسمح لها بتقديم منتجات بأسعار منخفضة يصعب على المنافسين مجاراتها.
في كثير من القطاعات الاستراتيجية، مثل العناصر الأرضية النادرة، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، والألواح الشمسية، أدى هذا الدعم إلى إقصاء المنافسين الأجانب، وترك الصين في موقع شبه احتكاري.
إلى جانب ذلك، تُتهم بكين بالإبقاء على سعر صرف اليوان عند مستويات منخفضة بشكل مصطنع، لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، وهو ما يثير تساؤلات حول سبب عدم ارتفاع العملة الصينية رغم هذا الفائض الضخم.
ويحذّر الخبير الاقتصادي إسوار براساد من أن نموذج النمو الصيني بات "أقل قابلية للاستدامة"، موضحًا أن ضعف الاستهلاك المحلي، وتباطؤ نمو الأجور، وتراجع الثقة، جعل التصدير الخيار الوحيد المتبقي للحفاظ على النمو، في ظل اختلال واضح بين الإنتاج الصناعي والطلب الداخلي.
هذا الواقع يضع دول الآسيان والاتحاد الأوروبي أمام خطر تكرار تجربة الولايات المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات، عندما أدى تدفق السلع الصينية إلى تآكل القاعدة الصناعية المحلية.
رغم ضخامته، لا يُعدّ الفائض التجاري خبرًا جيدًا للصين نفسها. فهو يكشف عن اعتماد مفرط على الطلب الخارجي في اقتصاد يبلغ حجمه نحو 19 تريليون دولار.
وإذا لجأت أوروبا أو دول الآسيان إلى سياسات حمائية مشابهة لتلك التي انتهجها ترامب، فقد يتعرض النمو الصيني لهزة عنيفة.
وقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن هذا القلق خلال زيارته الأخيرة إلى بكين، معتبرًا أن "الاختلالات المتراكمة غير مستدامة"، وملوّحًا بفرض رسوم جمركية أوروبية إذا لم تُتخذ إجراءات لتقليص العجز التجاري.
كما حذّرت مؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي وغولدمان ساكس، من تداعيات النموذج التصديري الصيني، مشيرة إلى أنه قد يتحول إلى عامل زعزعة للاستقرار العالمي، خصوصًا إذا تزامن مع أزمة مالية دولية جديدة تقلص الطلب العالمي.
في هذا السياق، يدرك الحزب الشيوعي الصيني المخاطر. فقد ناقش المكتب السياسي مؤخرًا ضرورة "التوسع المستمر في الطلب المحلي" وجعل الاستهلاك المحرك الرئيسي للنمو؛ غير أن هذه الجهود لا تزال محدودة ومتأخرة، وغير كافية لتقليص اعتماد اقتصاد بهذا الحجم على الصادرات.
يعكس الفائض التجاري الصيني الذي تجاوز تريليون دولار قوة تصديرية غير مسبوقة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن اختلالات هيكلية خطيرة في الاقتصاد العالمي وفي النموذج الصيني نفسه.
وبينما يثير هذا الرقم مخاوف الشركاء التجاريين، فإنه يضع بكين أمام تحدٍ مصيري: إما إعادة التوازن نحو الاستهلاك الداخلي، أو مواجهة مستقبل اقتصادي هشّ يقوم على طلب خارجي غير مضمون.