أكّدت مصادر إعلامية أمريكية مطلعة أنّ الولايات المتحدة تدرس بشكل جديّ رفع العقوبات عن البنك المركزي الفنزويلي لتسهيل تدفق مليارات الدولارات إلى اقتصاد البلاد المتضرر.
ومن شأن هذه الخطوة أن تسمح لعائدات مبيعات النفط بالتّداول بحرية أكبر داخل النظام المالي الفنزويلي؛ ما يعيد قناة أساسية للعملة الصعبة بعد سنوات من القيود التي قطعت البلاد عن النظام المصرفي العالمي.
ويتم احتجاز مدفوعات الشركات المحلية التي تعمل على إعادة تنشيط إنتاج النفط الخام بشكل منتظم في حسابات مقرها الولايات المتحدة، بينما تقوم البنوك بإجراء فحوصات امتثال على المعاملات المرتبطة بشركة النفط الحكومية "بتروليوس دي فنزويلا".
وفي قراءته لهذا الحدث الاقتصادي أشار الباحث والكاتب المتخصص في الشأن الأمريكي اللاتيني الأستاذ إبراهيم يونس إلى أنّ الرفع الجزئي عن العقوبات الأمريكية المفروضة على البنك المركزي الفنزويلي تتنزل ضمن سياق أشمل انطلق برفع العقوبات عن الرئيسة الفنزويلية بالنيابة ديلسي روديريغيز، وعن بعض الوجوه الأخرى في الحكومة البوليفارية.
وبيّن في تصريح لـ"إرم نيوز" أنّ خطّة رفع العقوبات عن البنك المركزي الفنزويلي بدأت منذ ليلة الثالث من يناير/كانون الثاني 2026، بما يتوافق ويتزامن مع عملية تصويت الجمعية الوطنية على تعديل قانون المحروقات، وهو التعديل الذي يدمج بين قانون المحروقات من جهة، وقانون مكافحة الحصار من جهة ثانية.
وأضاف الباحث المتخصص في الشأن اللاتيني أنّه على الرغم من سعي الحكومة الحالية إلى عدم الخروج عن مسار الرئيسين نيكولاس مادورو وهوغو تشافيز، إلا أنّها اتخذت خطوة يمكن وصفها بالتراجع التكتيكي والمتمثل في إبرام صفقات النفط، والتي تم اعتمادها تحت وطأة وسطوة القوة العسكرية الضخمة الموجودة في بحر الكاريبي.
وتابع أنّ جزءاً معتبراً من عائدات صفقات النفط والغاز يتدفق على البنك المركزي الفنزويلي باعتباره الجهة المالية المسؤولية على الدفع والقبض باسم الدولة المركزية.
واستخلص محدثنا أنّه من الطبيعي أن ترفع واشنطن العقوبات الاقتصادية عن البنك المركزي بالنظر إلى سعيها إلى إيجاد مُسوّغ قانوني لتحويل بعض المبالغ المتأتية من النفط الفنزويلي إلى كاراكاس، عبر المسارات المالية الخاضعة لها فقط.
واستشهد يونس بالحالة الصينية لتفسير المشهد المالي الجديد، حيث رفضت واشنطن طلب بكين سداد ديونها المتخلدة لدى فنزويلا من خلال هذه الأموال المتأتية من صفقات النفط، بذريعة أنّ هذه المبالغ يقع تحويلها عبر مسارات مالية خاضعة لمراقبة الخزانة الأمريكية وتذهب مباشرة إلى محفظة الأموال الفنزويلية، ولن تدخل بالتالي في منظومة سداد أية مديونية خارجية.
واستنتج أنّ ترامب يسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2019، أي مرحلة ما قبل فرض عقوبات قاسية جدّا على كراكاس، والعودة إلى حقبة الرئيس جو بايدن وما قبلها، وتمكين شركات نفطية أمريكية كبرى من العمل داخل الأسواق الفنزويلية، مع بعض المكاسب للحكومة والدولة الفنزويلية.
من جهته، اعتبر الكاتب المتخصص في الشأن اللاتيني مُراد علالة أنّ الخطوة الأمريكية تجاه فنزويلا تُقرأ وتُسوّق في ظاهرها كخدمة للمصلحة المشتركة بين البلدين، ولكنّها أبعد ما تكون عن ذلك؛ فهي مختلة لصالح واشنطن بكافة المقاييس.
وتابع في حديث لـ"إرم نيوز" أنّ أمريكا تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فهي ستحقق مصلحة اقتصادية استراتيجية بالاستفادة من النفط الفنزويلي خصوصاً في ظل الوضع الدولي الراهن والحرب القائمة في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها ستعتمد لعبة المقايضة مع كاراكاس بتخفيف العقوبات مقابل تعزيز النفوذ والهيمنة؛ وهو ما يبرر الحديث عن "هدية ملغومة" أو "مكافأة مشروطة".
وأضاف أنّ كاراكاس وحُكام كاراكاس الجدد لن ينالوا من هذه الخطوة سوى جرعة أوكسيجين محدودة، مشيراً إلى أنّ رفع العقوبات عن البنك المركزي الفنزويلي ليس قراراً اقتصادياً بسيطاً ولا يمكن قراءته خارج السياق الجيوسياسي.
واعتبر في هذا السياق أنّ العقوبات أداة ضغط سياسية وظفتها واشنطن ضدّ كاراكاس للضغط على نظام نيكولاس مادورو، بهدف خنق اقتصاد هذا البلد اللاتيني وإخضاعه بالتأثير في سياسته النقدية ومعاملاته المالية وإرباك إنتاج الطاقة والتشويش بالتالي على علاقاته مع روسيا والصين.