الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض مسيرتين انطلقتا من اليمن
رفعَ التصعيد المرتبط بحرب إيران مستوى المخاطر السياسية المحيطة بمسارات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، ما انعكس مباشرة على حسابات الفاعلين الاقتصاديين.
هذا الارتفاع في مستوى المخاطر يدفع الشركات والدول المعنية إلى إعادة تسعير الاعتماد على الممرات الحالية، ويُسرّع توجيه الاستثمارات نحو مسارات برية بديلة يمكن التحكم بها سياسيًا بدرجة أعلى، مع انتقال مسارات التجارة تدريجيًا نحو ممرات أقل تعرضًا للضغط السياسي.
وفي الأيام الأخيرة، قدّمت شركات الشحن الكبرى مؤشرات تشغيلية واضحة على حجم الاضطراب في حركة التجارة بسبب الحرب الإيرانية، إذ أعلنت Hapag-Lloyd أنها تتحمّل كلفة إضافية أسبوعية تتراوح بين 40 و50 مليون دولار نتيجة تعطل الشبكات اللوجستية المرتبطة بالتصعيد، مع تحذيرها من انعكاسات ممتدة على الطلب العالمي على الشحن في حال استمرار الوضع.
وفي موازاة ذلك أكدت Maersk أنها بدأت بإعادة توجيه شحناتها واعتماد مسارات برية بديلة ضمن خططها التشغيلية، مع مراقبة يومية للتطورات، بينما تشير المعطيات الميدانية إلى تعليق أو تغيير مسارات نقل بحرية كاملة، وبقاء سفن خارج جداولها الزمنية، وارتفاع ملحوظ في تكاليف التشغيل والتأمين، وهو ما يدفع إلى إعادة توزيع تدفقات السلع وفق مستوى المخاطر السياسية لكل ممر.
يمتد هذا التحول إلى ما قبل التصعيد الحالي، إذ دفعت حرب أوكرانيا منذ بدايتها إلى إدخال الممرات البرية عبر روسيا في حسابات المخاطر السياسية، بعدما شكّلت لسنوات المسار الرئيس للتجارة بين الصين وأوروبا.
والعقوبات الغربية والتوتر مع أوروبا، إلى جانب القيود التشغيلية المرتبطة بالحرب داخل الأراضي الروسية، جعلت هذا الممر أقل قابلية للاعتماد طويل الأمد في نظر بكين، التي تتعامل مع طرق التجارة باعتبارها بنية استراتيجية تحتاج إلى استقرار سياسي مستمر، ودفع بكين إلى تقليص اعتمادها على الممر الروسي وتسريع بناء شبكة بديلة من المسارات البرية خارج تأثيره السياسي.
وعند تقاطع التصعيد المرتبط بإيران مع الضغط السياسي على الممر الروسي يشهد مسار التجارة نحو إعادة تموضع فعلي بعيدًا عن المسارات الأكثر تعرضًا للضغط، وهو ما يدفع نحو ترسيخ ممر بري يمتد عبر آسيا الوسطى ويمنح حركة السلع هامشًا أعلى من الاستقرار، حيث تتحول المنطقة إلى نقطة عبور مركزية ضمن شبكة النقل بين آسيا وأوروبا، مع اتساع دورها في توجيه تدفقات التجارة على مستوى القارة.
ويأخذ مشروع سكة الحديد بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان طابعًا سياسيًا واضحًا مع التصريحات الأخيرة للرئيس القرغيزي صدير جباروف، والتي ربط فيها المشروع بتحول بلاده إلى مركز عبور بين الصين وأوروبا، في وقت يتقاطع فيه ذلك مع توجه أوزبكي متصاعد بقيادة الرئيس شوكت ميرضيايف نحو تثبيت موقع البلاد كمركز لوجستي داخل آسيا الوسطى، عبر ربط شبكات النقل الإقليمية وإعادة توجيه حركة البضائع عبر أراضيها.
وهو ما يمنح المشروع بعدًا يتجاوز الإطار الثنائي أو الثلاثي، ويدخله ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم تدفقات التجارة داخل القارة، مدفوعًا أيضًا بتحرك صيني متواصل لتوسيع شبكة الممرات البرية ضمن مبادرة الحزام والطريق، مع تركيز متزايد على المسارات التي تقلل الاعتماد على الممرات التقليدية وتمنح بكين قدرة أعلى على التحكم في حركة التجارة عبر بيئات سياسية أكثر استقرارًا.
ويتجاوز مشروع سكة الحديد المشتركة كونه امتدادًا طبيعيًا لمبادرة الحزام والطريق، ويعبّر عن اتجاه صيني واضح لتقليص الاعتماد على الممرات الشمالية المرتبطة بروسيا، عبر بناء شبكة برية موازية تمر في آسيا الوسطى وتخضع بدرجة أكبر لإدارة بكين وشركائها المباشرين.
ويقوم هذا التوجه على تثبيت مسارات تجارة قابلة للتحكم السياسي، وإعادة توزيع حركة السلع بعيدًا عن البيئات التي تفرض كلفة سيادية مرتفعة على العبور، مع توظيف أدوات البنية التحتية والاستثمار طويل الأمد لإعادة تشكيل خريطة الربط القاري، بما يمنح الصين قدرة مستمرة على توجيه التدفقات التجارية وفق حساباتها الاستراتيجية.
التحول الجاري يعيد تشكيل موقع آسيا الوسطى داخل النظام الإقليمي، حيث تستمر روسيا كفاعل أمني رئيس في المنطقة مع تراجع نسبي في قدرتها على الحفاظ على موقعها الاقتصادي، بالتوازي مع توسع الحضور الصيني عبر مشاريع النقل والبنية التحتية.
ويأخذ هذا التداخل شكل إعادة توزيع فعلية لمجالات النفوذ داخل الإقليم، مع اتساع المجال الاقتصادي المرتبط بالممرات لصالح بكين وتثبيت الحضور الأمني لموسكو، ما يفتح المجال أمام مسار متحرك من إعادة التموضع مع تقدم المشاريع الصينية وتزايد قدرتها على إعادة توجيه حركة التجارة عبر آسيا الوسطى.
هذا ويظهر تأثير حرب إيران في اتجاه حركة التجارة أكثر من حجمها، حيث تدفع مستويات المخاطر المرتفعة إلى إعادة توزيع التدفقات عبر مسارات بديلة، مع تزايد الاعتماد على الممرات البرية التي تمنح حركة السلع قدرًا أعلى من الاستقرار.
ويشير تقرير حديث للبنك الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي إلى أن التوترات الجيوسياسية تدفع نحو إعادة توزيع جغرافي لتدفقات التجارة العالمية، مع تحوّل مساراتها بشكل متزايد نتيجة ارتفاع المخاطر السياسية وتزايد مظاهر تجزؤ النظام التجاري الدولي.
في حين يتجه مسار التجارة بين آسيا وأوروبا إلى إعادة تموضع فعلي تحت ضغط المخاطر السياسية، مع تثبيت ممرات برية جديدة عبر آسيا الوسطى، وتراجع الاعتماد على المسارات التقليدية الأكثر تعرضًا للتقلبات، في سياق تدفع فيه الصين نحو بناء شبكة نقل قابلة للإدارة والتحكم، بما يعيد توزيع النفوذ الاقتصادي على امتداد القارة.