تدفع تداعيات الحرب الإيرانية أوروبا نحو تسريع التحول إلى السيارات الكهربائية، لكن هذا التحول يحمل في طياته نتيجة غير متوقعة، تتمثل في تعزيز حضور الشركات الصينية داخل السوق الأوروبية، على حساب المصنعين المحليين الذين يواجهون تحديات متزايدة في مواكبة هذا التحول.
نجحت أوروبا خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ إطار تنظيمي يدعم التحول نحو المركبات الكهربائية وتقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة.
وتشير البيانات إلى أن نحو 20% من السيارات المباعة في عام 2025 كانت كهربائية، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى قرابة 25% خلال عام 2026، بحسب "GlobalData".
وشهد شهر مارس مؤشرًا لافتًا، حيث تفوقت السيارات الكهربائية بالكامل على سيارات محركات الاحتراق الداخلي لأول مرة في ألمانيا، بينما سجلت إيطاليا، التي تُعد من الأسواق التقليدية للسيارات التقليدية، نموًّا بنسبة 66% في مبيعات السيارات الكهربائية خلال الربع الأول.
رغم أن السياسات الأوروبية صُممت لدعم التحول المحلي، إلا أن الشركات الأكثر استفادة منها كانت صينية، وعلى رأسها BYD Auto، التي باتت من بين أكثر الشركات التزامًا بمعايير الانبعاثات الأوروبية، متفوقة على شركات أوروبية كبرى مثل Volkswagen.
ويفرض نظام الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي غرامات على الشركات التي تتجاوز الحدود المسموح بها، أو يدفعها إلى شراء "أرصدة امتثال" من شركات أخرى. وقد بدأت بعض الشركات بالفعل، مثل "نيسان"، في التعاون مع شركات صينية لتجنب الغرامات، ما يفتح الباب أمام سيناريو تدفع فيه شركات أوروبية أموالًا لمنافسين صينيين لمواصلة بيع سياراتها.
ويعود جزء من تفوق الشركات الصينية إلى تركيزها المبكر على إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة، مدعومة بسياسات صناعية طويلة الأمد، في وقت لا تزال فيه الشركات الأوروبية تعتمد جزئيًّا على سيارات الاحتراق الداخلي الأكثر ربحية.
ساهمت الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الوقود في زيادة الإقبال على السيارات الكهربائية داخل أوروبا، حيث سجّلت منصات البحث عن السيارات ارتفاعًا في الاهتمام بهذا النوع من المركبات.
ومع ذلك، فإن تأثير هذا الطلب لم يظهر بالكامل بعد؛ نظرًا لطول فترات تسليم السيارات، ما يعني أن الأثر الحقيقي قد يتضح بشكل أكبر خلال النصف الثاني من عام 2026.
ويكمن التحدي الرئيس الآن في تحديد من سيستفيد من هذا الطلب المتزايد. وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن حصة كبيرة منه ستذهب إلى الشركات الصينية، سواء عبر الواردات أو من خلال الإنتاج المحلي داخل أوروبا، بما في ذلك مصانع جديدة في دول مثل المجر.
تكشف هذه التطورات عن فجوة صناعية أعمق داخل أوروبا، حيث لا تزال سلاسل الإمداد الحيوية، مثل البطاريات ومعالجة المواد الخام، تعتمد بشكل كبير على الصين.
ورغم فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا على السيارات الصينية، إلا أن هذه الإجراءات دفعت الشركات الصينية إلى توطين إنتاجها داخل أوروبا بدلًا من الحد من انتشارها.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، طرح الاتحاد الأوروبي في مارس 2026 مشروع "قانون تسريع الصناعة"، الذي يهدف إلى ربط الدعم الحكومي بمستوى المكونات المصنعة داخل أوروبا. لكن من المتوقع ألا يدخل هذا القانون حيز التنفيذ قبل عام 2027.
تأتي هذه التحولات في ظل تباطؤ الطلب على السيارات في أوروبا، مع توقعات بانكماش طفيف في السوق خلال 2026، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة وتشديد السياسات النقدية من قبل European Central Bank.
ورغم استمرار نمو حصة السيارات الكهربائية، إلا أن القاعدة الصناعية الأوروبية لا تحقق الاستفادة المرجوة من هذا التحول، في وقت تزداد فيه المنافسة مع شركات دخلت السوق بشروط تجارية أكثر مرونة.
وتعكس الأزمة الحالية معادلة معقدة تواجهها أوروبا: فبينما يساهم التحول السريع إلى السيارات الكهربائية في تقليل الاعتماد على النفط وحماية المستهلكين من تقلبات الأسعار، فإنه في المقابل يعزز اعتمادها الصناعي على الصين.
وفي ظل غياب حلول فورية، تبدو أوروبا أمام سباق مع الزمن لإعادة التوازن بين أمن الطاقة والسيادة الصناعية، في وقت تتسارع فيه التحولات بوتيرة قد تفوق قدرة صناع القرار على الاستجابة.