تواجه دول تعد من أبرز قادة التحول نحو الطاقة النظيفة في العالم مفارقة سياسية واقتصادية لافتة؛ إذ بدأت هولندا والدنمارك وألمانيا والمملكة المتحدة والمكسيك في إعادة النظر بسياساتها المناخية.
وتشمل الخيارات طرح توسيع أو إعادة تشغيل إنتاج النفط والغاز، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وأبرزها الأزمة الإيرانية المستمرة، التي أحدثت اضطراباً واسعاً في أسواق الطاقة العالمية.
وتأتي هذه التحولات في وقت تجتمع فيه عشرات الدول في كولومبيا ضمن مؤتمر عالمي مخصص لدعم التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري؛ ما يكشف تناقضاً واضحاً بين الطموحات المناخية والواقع الاقتصادي والأمني الذي يدفع الحكومات لإعادة فتح ملف التنقيب عن الوقود الأحفوري، بحسب "بولتيكو".
أدى استمرار الحرب في إيران وتزايد عدم الاستقرار في مناطق إنتاج الطاقة إلى دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى البحث عن بدائل سريعة وآمنة لواردات الوقود الأحفوري.
وبينما تواصل هذه الدول الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، برز اتجاه موازٍ يدعو إلى زيادة الاعتماد على الموارد المحلية من النفط والغاز كحل مؤقت للأزمة.
وفي هذا السياق، تدرس الدنمارك تمديد تراخيص إنتاج النفط والغاز في بحر الشمال، فيما تسعى ألمانيا إلى زيادة إنتاج الغاز المحلي، بينما تتعرض الحكومة البريطانية لضغوط سياسية متصاعدة للموافقة على توسع عمليات التنقيب في بحر الشمال.
أما هولندا، فتدفع نحو تسريع مشاريع استخراج الغاز بالتنسيق مع ألمانيا ضمن رؤية تعتبر أمن الطاقة أولوية في ظل الظروف الحالية.
وقال وزير الصناعة الدنماركي مورتن بودسكوف إن "أوروبا يجب أن تعتمد على نفسها"، مشيراً إلى ضرورة الاستثمار في الطاقة النظيفة، ولكن أيضاً في الإمدادات التقليدية لضمان الاستقرار خلال مرحلة الانتقال.
لم يقتصر هذا التحول على أوروبا، إذ اتجهت المكسيك، بقيادة الرئيسة كلوديا شينباوم، إلى مراجعة موقفها السابق الرافض لتقنية التكسير الهيدروليكي، في محاولة لتقليل اعتمادها على واردات الطاقة من الولايات المتحدة، التي توفر الجزء الأكبر من احتياجاتها من الغاز.
وقالت شينباوم إن التطورات الأخيرة في سوق الطاقة دفعتها إلى إعادة تقييم الموقف، معتبرة أن "رفض كل الخيارات لم يعد عملياً في ظل تغير الظروف الاقتصادية والطاقية العالمية".
وتشمل خطط المكسيك الجديدة تعزيز إنتاج الغاز المحلي وزيادة الاعتماد على تقنيات الاستخراج الحديثة، رغم الجدل البيئي المرتبط بها.
وفي المقابل، بدأت دول أخرى مثل اليونان واليونان وفرنسا دراسة أو الموافقة على مشاريع تنقيب جديدة، في تحول يعكس اتجاهاً عالمياً متزايداً نحو تأمين مصادر الطاقة التقليدية، حتى لدى الدول التي كانت في طليعة الدعوات البيئية.
هذا التوجه أثار انتقادات واسعة من نشطاء المناخ وخبراء البيئة، الذين يحذرون من أن توسيع إنتاج النفط والغاز لن يؤدي إلى خفض أسعار الطاقة على المدى القصير، بل سيزيد من انبعاثات الغازات الدفيئة ويُفاقم أزمة التغير المناخي على المدى البعيد.
وقالت تيسا خان، المديرة التنفيذية لمنظمة "أبليفت"، إن "العالم يملك بالفعل احتياطيات من الوقود الأحفوري تفوق ما يمكن حرقه بأمان"، مؤكدة أن أي توسع جديد في التنقيب يتعارض مع أهداف اتفاق باريس للمناخ.
وفي السياق ذاته، سبق لوكالة الطاقة الدولية أن حذرت من عدم الموافقة على أي مشاريع جديدة للنفط والغاز إذا أراد العالم تحقيق هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية، إلا أن البيانات تشير إلى الموافقة على عشرات المشاريع الجديدة خلال السنوات الأخيرة؛ ما يعكس فجوة واضحة بين الالتزامات المناخية والواقع الفعلي.
تظهر هذه التحولات انقساماً متزايداً داخل الدول التي تقود أجندة المناخ عالمياً، حيث تواجه الحكومات ضغوطاً مزدوجة: من جهة الالتزام بأهداف خفض الانبعاثات، ومن جهة أخرى ضمان أمن الطاقة واستقرار الأسعار للمستهلكين.
في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطاً من المعارضة لتوسيع عمليات التنقيب في بحر الشمال، بينما يصر على التمسك بسياسة خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وفي ألمانيا، تتزايد الدعوات السياسية لاستخدام التكسير الهيدروليكي رغم حظره منذ سنوات، بينما تحاول الحكومة الموازنة بين أهدافها المناخية واحتياجاتها الطاقية.
أما في هولندا، فتؤكد الحكومة أنها لا ترى تناقضاً بين التوسع المحدود في إنتاج الغاز وبين الالتزام بالتحول الأخضر، معتبرة أن المرحلة الانتقالية تتطلب حلولاً "واقعية ومؤقتة".
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مرحلة انتقالية معقدة في سياسات الطاقة العالمية، حيث تتقاطع الأزمات الجيوسياسية مع التحديات المناخية؛ ما يدفع حتى أكثر الدول التزاماً بالتحول الأخضر إلى إعادة التفكير في الاعتماد على الوقود الأحفوري كخيار اضطراري، وليس كتحول استراتيجي دائم.