تواجه أوروبا فرصة غير مسبوقة لإظهار استقلالها عن الولايات المتحدة من خلال تعزيز التحول نحو الطاقة النظيفة، خصوصًا طاقة الرياح البحرية، في خطوة تتحدى الموقف المتشدد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه التكنولوجيا الخضراء.
الأسبوع المقبل، سيجتمع وزراء من عشر دول أوروبية في هامبورغ لتوقيع إعلان يلتزم بإنشاء مشاريع مشتركة لطاقة الرياح البحرية بقدرة 100 جيجاوات، تفوق إجمالي قدرة توليد الكهرباء الحالية في المملكة المتحدة، في ظل تحديات جيوسياسية واقتصادية معقدة، بحسب "بولتيكو".
القمة، التي ستشارك فيها بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وأيسلندا وأيرلندا ولوكسمبورغ والمملكة المتحدة وهولندا والنرويج، تهدف إلى خفض اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال المستورد، الذي جاء معظمُه من الولايات المتحدة بعد انسحاب الغاز الروسي تدريجيًا من السوق الأوروبية.
وبحسب وزير الطاقة البريطاني إد ميليباند ومفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن، تمثل الطاقة النظيفة المحلية خيارًا أساسيًا لتحقيق الأمن الطاقي وتقليل التأثر بالضغوط الخارجية، على غرار الاعتماد السابق على الغاز الروسي.
مع ذلك، فإن تسخير رياح بحر الشمال يتطلب تنسيقًا سياسيًا كبيرًا لتجاوز الانقسامات الداخلية، بما في ذلك آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والصعوبات في جذب المستثمرين إلى مشاريع جديدة في ألمانيا وفرنسا.
ويظل الغاز جزءًا رئيسًا من إمدادات الطاقة الأوروبية، لا سيما للصناعات الثقيلة، وهو ما يفرض توازنًا بين التحول الأخضر واستمرارية الطاقة.
وأضافت تصريحات ترامب خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس توترًا جديدًا على العلاقات عبر الأطلسي، عندما سخر من توربينات الرياح ووصف الأوروبيين الذين يقومون بتركيبها بـ"الخاسرين".
ووفقًا لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الأمريكي أربعة أضعاف منذ توقف خطوط أنابيب الغاز الروسية؛ ما جعل الولايات المتحدة لاعبًا رئيسًا في سوق الطاقة الأوروبية.
ورغم ذلك، يبدو أن الأوروبيين، من خلال إعلان هامبورغ، يسعون لتأكيد استقلالهم الطاقي وعدم الرضوخ للضغط الأمريكي المباشر.
وسيوقع القادة الأوروبيون على ثلاثة إعلانات تشمل التعاون الوثيق في حماية البنية التحتية، وإنشاء شبكة كهرباء لحقول الرياح البحرية، واستثمارات مشتركة لتسريع مشاريع الطاقة المتجددة في بحر الشمال.
رغم الالتزام بالطاقة النظيفة، يبقى الاعتماد على الغاز الأمريكي قائمًا نظرًا لسوقه المرن والسيولة العالية؛ وهو ما تؤكده شركات مثل يونيبِر وأتلانتيك سي التي تسعى لتعزيز وارداتها طويلة الأمد.
ويشير محللون مثل تيس فان دي غراف إلى أن المسؤولين الأوروبيين "لا يزالون يعيشون في عالم الليبرالي القديم"، متوقعين أن تعود الأمور إلى طبيعتها في التجارة مع الولايات المتحدة، في حين يؤكد الواقع الجديد أن أوروبا لم تعد تستطيع تجاهل الضغوط الجيوسياسية الناتجة عن سياسات ترامب، ولا سيما بعد محاولاته للضغط على حلفائها في مسألة غرينلاند.
وتظل قمة هامبورغ مناسبة حاسمة لإعادة تعريف استراتيجية الطاقة الأوروبية، حيث يجمع التحول إلى المصادر المتجددة مع الحاجة إلى توازن تجاري واستراتيجي في مواجهة تقلبات العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا، في وقت أصبح فيه الأمن الطاقي جزءًا لا يتجزأ من السياسة الجيوسياسية للقارة.