خلال زيارته إلى سيول وتوقيعه 10 مذكرات تفاهم مع كوريا الجنوبية، كشف الرئيس البرازيلي لولا داسيلفا عن استراتيجية بلاده في قطاع التعدين، والتي تهدف إلى الانتقال سريعًا من دولة منتجة للخام إلى مركز عالمي لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية.
ويُعد هذا التصريح ذا أهمية استراتيجية بالغة، إذ لا يشير فقط إلى اهتمام البرازيل بصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، بل يكشف أيضًا عن دخولها في صراع تعدين مع الصين حول المعادن النادرة والثمينة.
وعلى الرغم أنّ الصراع لم يأخذ بعد بُعده الصّدامي المباشر، إلا أنّ العديد من المؤشرات الجلية والمقدمات الواضحة تؤكد أنّ البرازيل في طور سحب بساط احتكار منظومة المعادن الثمينة والنادرة من العملاق الصيني.
وفي لقاء قمّة جمع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ بنظيره البرازيلي، وقّع الطرفان على 10 مذكرات تفاهم تغطي مجالات التجارة والسياسة الصناعية والمعادن الأساسية والاقتصاد الرقمي، والزراعة والصحة والتكنولوجيا الحيوية وتبادل المشاريع الصغرى، وغيرها من مَجالات الاهتمام المشترك.
كما اتفق الزعيمان على توسيع التعاون في قطاعات المعادن الأساسية، بما من شأنه تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وقال "لي" إنّ الجانبين اعتمدا خطة عمل مدتها 4 سنوات كاملة لوضع خطوات عملية لتوسيع التعاون الثنائي، بدءًا من المعادن الاستراتيجية وصولا إلى الصناعات الدفاعية والفضائية.
وتؤكد التقارير الاستراتيجية المتابعة للشأن البرازيلي عامة ولسلسلة الزيارات التي يقوم بها "لولا دا سلفا" في شرق آسيا خاصّة، أنّ الحكومة البرازيلية في طور تأسيس استقلالية تعدينية شاملة، تنهي احتكار الصين لمنظومة المعادن النادرة والثمينة في العالم.
حيث تتنزَّلُ زيارتَا "دا سيلفا" إلى كوريا الجنوبية والهند في هذا السياق التَّعديني الاستراتيجيّ، سيما وأنّها أعقبتْ إصدار البرازيل منظومة قوانين وتشريعات ضيقت عمل الشركات الصينية المشتغلة في المعادن الاستراتيجية.
ووفقا لملاحظين للشأن البرازيلي، فإنّ هذه التشريعات، تمنع تصدير الليثيوم البرازيلي، وتشترط في المقابل معالجته وتكريره كيميائيا داخل البرازيل بنسبة لا تقل عن 50 % إلى 70% قبل التصدير.
وتحول هذه الخطوة، دون تصدير الشركات الصينية المشتغلة في البرازيل للمعادن الخام، ومُعالجتها وتثمينها في الصين، قبل تصديرها إلى الأسواق الرقمية.
كما تُصنّف الليثيوم كـ"معدن استراتيجي"، وهو ما يعطي الدولة حق التدخل في العقود لضمان اكتفاء السوق المحلي، قبل البيع للأسواق الخارجية.
ويشير المراقبون إلى أن هذه التشريعات الجديدة تهدف إلى تأمين منظومة الاستخراج والمعالجة والتثمين داخل البرازيل، معتبرين ذلك استحقاقًا وطنيًا يضرب في صميم الاستراتيجية التعدينية الصينية القائمة على "الاستخراج والشحن".
المقاربة التعدينية البرازيلية الشاملة، لا تقف عند هذا الحدّ، بل إنّ الرئيس لولا أشار خلال زيارته إلى نيودلهي وسيول، إلى أنّ البرازيل لم تكتشف بعد 70 % من إمكانياتها التعدينية الحقيقية، وهي الآن تفتح الباب أمام استثمارات أجنبية لاستكشاف هذه الموارد.
وهو تصريح يؤكد حقيقة أنّ البرازيل شرعت حاليا في استغلال مقدراتها الهائلة، حيث أنها تمتلك ثاني أكبر احتياطات أتربة نادرة في العالم (21 مليون طن)، وتحوز على ثالث أكبر احتياطات من مادة "النيكل".
في هذا السياق، يؤكد الخبراء أن البرازيل بصدد بناء شبكة توريد "جنوب – جنوب" و"جنوب – شرق" لا تعتمد على الصين.
حيث وقع لولا مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي اتفاقية لبناء سلاسل توريد مرنة للأتربة النادرة، قبل أن يعقبها باتفاق مع كوريا الجنوبية يهدف إلى نقل تكنولوجيا البطاريات وأشباه الموصلات مقابل المعادن.
وفي مسألة السيارات الكهربائية، تؤكد التقارير الإعلامية الغربية أنّ "حكومة لولا داسيلفا" تعكف حاليا على توطين قطاع البطاريات الكهربائية، وتخوض بالتالي "حربا استثمارية ذكية" ضدّ التنين الصيني.
إذ نشر موقع "أرغوس ميديا" تقريرا صحفيا موسعا انتهى إلى أنّ البرازيل أجبرت الشركات الصينية على بناء مصانع معالجة "للمعادن النادرة والثمينة" داخل البرازيل، ما يحوّلها من "زبون" للصين إلى منافس لها في تصدير البطاريات المصنعة محليا.
في هذا المفصل، رفعت البرازيل الرّسوم الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة (وهو قطاع تهيمن عليه الصين)، إلى نسبة 35 %.
هذا بالإضافة إلى سعيها لاستغلال التوتر متعدد الأبعاد المشتعل بين بكين وأوروبا وواشنطن حول الكلفة البيئية للمعادن النادرة، لتقدم نفسها كـ"شريك" صديق للبيئة والمحيط.
إذ أشار جريدة "لاباييس" الإسبانية في تقرير صحفي حول المفاوضات بين بروكسيل والبرازيل، إلى أنّ الأخيرة تسوّق الليثيوم والنيكل البرازيلي الذي يتم استخراجهما باستخدام طاقة كهرومائية متجددة بنسبة 80 %، وهو ما تعجز بكين عن القيام به، إذ إنها تعتمد أساسا على الفحم.
وتضيف "لاباييس" أنّ هذا الأمر يجعل المنتج البرازيلي الخيار الوحيد للشركات الغربية التي تلتزم بقوانين البصمة الكربونية.