
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي حساس في قلب الخليج، بل تحوّل في خضم الأزمة الأخيرة إلى عنوان لسؤال دولي أكبر: ماذا لو أصبح على العالم أن يدفع فقط ليعبر؟ فالمسألة هنا لا تتعلق بقناة أو ميناء أو نقطة تفتيش محدودة، بل بممر بحري كامل يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، ما يجعله واحدا من أخطر الشرايين التي تعتمد عليها التجارة والطاقة في العالم.
القلق تصاعد مع الحديث عن احتمال فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق، في سابقة لو تحققت فستفتح بابا بالغ الخطورة على الملاحة الدولية، فالقواعد المعمول بها في المضائق الحيوية تقوم على مبدأ واضح: إبقاء هذه الممرات مفتوحة أمام العبور، من دون رسوم إضافية ومن دون تعطيل، ضمن ما يُعرف بـ"حق المرور العابر"، وهو مبدأ شكّل لعقود أحد الأعمدة الأساسية لانسياب التجارة العالمية.
خطورة ما حدث في هرمز لا تكمن فقط في التهديد المباشر لحركة السفن أو لأسواق الطاقة، بل في السابقة التي قد يصنعها، فإذا جرى كسر هذا المبدأ في واحد من أهم المضائق في العالم، فإن السؤال لن يبقى محصورا في المنطقة، بل سيمتد إلى مضائق أخرى لا تقل حساسية، من البوسفور في تركيا، إلى جبل طارق، مرورا بمضيق تايوان، وصولا إلى ممرات بحرية أخرى قد تتحوّل هي أيضا إلى أدوات ضغط ومساومة.
وفي حال انتقل هذا المنطق من هرمز إلى غيره، فإن العالم سيكون أمام مشهد أكثر تعقيدا، مضائق لا تعمل بوصفها ممرات طبيعية مفتوحة، بل كبوابات جباية ونقاط نفوذ سياسي، عندها لن تكون النتيجة مجرد توتر ملاحي عابر، بل ارتفاعا في أسعار الطاقة، وتعطلا في سلاسل الإمداد، وتجارة عالمية أبطأ وأكثر كلفة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الدولي على السرعة والاستقرار والانسياب البحري.
لهذا، فالقصة ليست عن إيران وحدها، ولا عن هرمز بوصفه حالة منفصلة، بل عن مبدأ كامل يحكم البحار والمضائق في العالم. فحين يصبح المرور في الممرات الحيوية خاضعا لمنطق الابتزاز أو التسعير السياسي، فإن الخطر لا يهدد السفن فقط، بل يهدد النظام القانوني الذي حافظ لعقود على حرية الملاحة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستبقى بحار العالم مفتوحة للجميع، أم تتحوّل تدريجيا إلى ممرات تُباع لمن يمر؟