
يتعامل الكرملين مع مشروع "القبة الذهبية" الأمريكية ليس بوصفه مجرد منظومة دفاع صاروخي فحسب، بل كتحول استراتيجي قد ينسف الإطار الذي يحكم العلاقة النووية بين روسيا والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.
تحذير نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف يعكس هذا القلق بشكل واضح، فقد قال إن مشروع القبة الذهبية "استفزازي للغاية".. مدفيديف لم يكتفِ بذلك، بل اعتبره متعارضا بشكل جذري مع معاهدة ستارت-3.. معاهدة ينتهي مفعولها في 5 فبراير المقبل. وقد يصبح خيار تجديدها في مهب الرياح؛ ما يجعل العالم برمته على حافة الانفجار.
"ستارت" أو المعاهدة الوحيدة المتبقية لضبط النووي بين موسكو وواشنطن، قامت على مبدأ أساسي: لا يمكن فصل الأسلحة الهجومية عن أنظمة الدفاع الصاروخي؛ لأن أي اختلال في أحد الطرفين يغير ميزان الردع بالكامل.. ومن هذا المنطلق، ترى دوائر مقربة من موسكو أن القبة الذهبية تمنح واشنطن القدرة على تحييد الضربة الروسية في حال نشوب صراع؛ وهو ما يفرغ فكرة "الردع المتبادل" من مضمونها ويجعل روسيا في حالة من "اختناق الحلول".
بالمقابل، يروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقبة الذهبية باعتبارها درعا واقيا من التهديدات الباليستية، لكن واشنطن ترفض ربطها بأي التزام قانوني داخل منظومة ضبط التسلح مع الكبار.. هذا الغموض هو ما يدفع موسكو، وفقا لمراقبين، إلى التلويح ببناء قراراتها على ما تفعله الولايات المتحدة بشكل فعلي لا على ما تعلنه في أروقة الدبلوماسية.
وبالمحصلة، تجد روسيا نفسها اليوم أمام خيارات استراتيجية ضيقة للغاية: إما القبول بميزان ردع مختل، أو الدخول في سباق تقني جديد لإعادة التوازن.. وفي الحالتين، يرى مطلعون على الملف أن مستقبل الاستقرار النووي العالمي سيصبح رهينة لمعادلة أعصاب لم تُختبر من قبل بين الكبار.