بمجرد أن أطلق حكم المباراة صافرة النهاية معلناً خسارة منتخب مصر أمام السنغال في نصف نهائي أمم أفريقيا، تحولت غرفة خلع الملابس الخاصة بالفراعنة إلى ما يشبه بيت العزاء.
الصمت كان سيد الموقف، لا يقطعه إلا صوت نحيب بعض اللاعبين الشباب الذين شعروا بأن حلمهم قد تبخر، وفي هذه اللحظات القاسية، حيث تغيب عدسات الكاميرات وتظهر المعادن الحقيقية للرجال، لم يكن محمد صلاح مجرد نجم عالمي أو هداف للفريق، بل تحول إلى القائد المنقذ الذي حمل على عاتقه مهمة انتشال بقايا الفريق من تحت ركام الهزيمة.
وبينما انشغل الإعلام بالحديث عن التكتيك والتبديلات، كان صلاح يلعب مباراة أخرى خفية داخل الغرف المغلقة، بطلاً لأربعة أدوار حاسمة منعت انهيار المنتخب تماماً قبل مواجهة نيجيريا، تجلت في استمراره في المعسكر بدلًا من العودة لناديه بعد ضياع أمل اللقب.
1- طبيب نفسي: احتواء الصدمة والدموع
الدور الأول والأهم الذي لعبه صلاح كان دور الطبيب النفسي، صلاح، بخبرته الكبيرة، كان أول من استفاق من صدمة الخسارة.
وبينما كان الجميع غارقاً في الحزن، تجول القائد بين المقاعد، يواسي اللاعبين الشباب الذين انهاروا من البكاء.
لم يتركهم فريسة للاكتئاب أو جلد الذات؛ بل كان يمسح دموعهم، ويؤكد لهم أن هذه ليست النهاية، وأن المستقبل أمامهم.
صلاح أدرك أن ترك هؤلاء الشباب لمشاعرهم السلبية قد يدمر مسيرتهم الدولية مبكراً، فكان هو المعالج الذي ضمد جراحهم النفسية فوراً قبل أن تتفاقم.
2- حائط صد للمدرب: وأد الفتنة في مهدها
في ظل الهجوم الجماهيري والإعلامي المتوقع على المدير الفني حسام حسن، استشعر صلاح الخطر الذي قد يهدد استقرار الفريق داخلياً.
هنا، ارتدى صلاح قناع حائط الصد، مستخدماً ثقله ونفوذه كقائد لمنع أي همس أو تذمر جانبي قد يحدث في الغرف المغلقة ضد المدرب.
صلاح أرسل رسالة غير مباشرة للجميع بأن العميد خط أحمر، وأنه لا مجال لأي انقسامات أو شليلة، لقد حمى ظهر مدربه في أصعب وقت، مؤكداً أن المسؤولية جماعية، وقاطعاً الطريق على أي محاولة لتمرد قد تعصف بوحدة الصف.
3- فرض الانضباط: السبحة التي لم تفرط
مع تداول شائعات عن رغبة ليفربول في استعادته فوراً، كان مجرد بقاء صلاح في المعسكر بمثابة رسالة انضباط صارمة للجميع.
لو كان صلاح قد حزم حقائبه وغادر، لانفرطت السبحة فوراً، ولرأينا كل لاعب يبحث عن مصلحته الشخصية أو يطلب الراحة.
وجود النجم الأول ملتزماً بالمواعيد والتدريبات رغم الحزن، أجبر الجميع -كباراً وصغاراً- على الالتزام.
صلاح بوجوده فرض حالة من الاحترام الإجباري للمعسكر، مانعاً تسرّب حالة اللامبالاة التي تصيب الفرق عادة بعد فقدان اللقب.
4- تجديد الدوافع: البحث عن طوق النجاة
أخيراً، لعب صلاح دور المحفز، كان يدرك أن مباراة تحديد المركز الثالث قد تبدو بلا قيمة للبعض، لكنه عمل بذكاء على تغيير هذه القناعة لدى زملائه.
بدأ في شحن هممهم بأن الميدالية البرونزية ليست فشلاً، بل هي طوق النجاة الوحيد المتبقي لمصالحة الجماهير الغاضبة.
صلاح أقنع كتيبة الفراعنة بأن العودة إلى القاهرة بانتصار وميدالية أفضل ألف مرة من العودة بفضيحة وهزيمتين متتاليتين.
لقد حول مباراة نيجيريا من تحصيل حاصل إلى معركة رد اعتبار، مؤكداً أن الاعتذار للجمهور لا يكون بالكلام، بل بالقتال حتى آخر دقيقة.
ختاماً..
قد لا يذكر التاريخ تفاصيل ما حدث في تلك الليلة الكئيبة في المغرب، وقد يختلف ما وقع فعلًا في أرض الواقع عن كلماتنا في بعض التفاصيل، لكن المؤكد أن منتخب مصر، بفضل حكمة قائده، استطاع أن يتماسك.
محمد صلاح أثبت أن شارة القيادة ليست قطعة قماش توضع على الذراع، بل هي مسؤولية تتجلى حينما يهرب الآخرون.