لم تكن القرعة أو مسارات البطولة رحيمة بأعصاب الجماهير المصرية؛ إذ وضعتهم وجهاً لوجه أمام الكابوس الذي طاردهم في السنوات الأخيرة.
إنها ليست مجرد مباراة نصف نهائي في كأس الأمم الأفريقية، ولا هي مجرد 90 دقيقة للعبور إلى المشهد الختامي؛ بل هي موقعة تصفية حسابات مؤجلة، ومعركة استعادة كبرياء جرحته ركلات الترجيح وأضواء الليزر الخضراء.
مصر والسنغال.. كلاسيكو الرعب الأفريقي الجديد، أو كما يطلق عليه النقاد النهائي المبكر والحقيقي للبطولة.
يدخل الفراعنة هذه الموقعة وفي حلقهم غصة لم تذهب مرارتها بعد، ذكريات نهائي ياوندي 2021 حين خطف "أسود التيرانغا" الكأس من بين أيادي رفاق محمد صلاح، ومشهد داكار المأساوي الذي حرم جيلاً كاملاً من التواجد في المونديال.
اليوم، دقت ساعة الانتقام، والملف فُتح من جديد على مصراعيه، إما أن يغلق "الفراعنة" الصفحة للأبد بانتصار تاريخي، أو يتكرر الكابوس.
صلاح وماني.. معركة الكبرياء الشخصي
تتجه الأنظار تلقائياً نحو القائدين؛ محمد صلاح وساديو ماني، الصديقين اللدودين اللذين تقاسما المجد في ليفربول، لكنهما وقفا على طرفي نقيض في القارة السمراء.
صلاح، الذي توج بجائزة رجل المباراة في الملحمة الأخيرة أمام كوت ديفوار، يدرك جيداً أن أرقامه القياسية وتاريخه العريض ينقصهما لقطة الختام أمام ماني.
هذه المرة، الملك المصري لا يبحث فقط عن الفوز، بل يبحث أيضا عن حقه المسلوب، وعن إثبات أنه الحاكم الفعلي للقارة، مستمداً قوته من "الريمونتادا" الرائعة التي قادها أمام الأفيال.
أسلحة الفراعنة.. السرعة تقتل الأسود
فبينما تدخل مصر اللقاء بمعنويات تلامس السماء بعد إقصاء كوت ديفوار، حامل اللقب، في مباراة درامية، يمتلك حسام حسن، المدير الفني للمنتخب، شيفرة قد تكون الحل السحري لفك طلاسم الدفاع السنغالي الصلب، الحديث هنا عن السرعات الصاروخية المتمثلة في عمر مرموش ومحمود حسن تريزيغيه".
السنغال، التي اعتادت اللعب بضغط عالٍ وخط دفاع متقدم، تترك خلفها مساحات شاسعة لا يقدر على استغلالها سوى لاعبين بمواصفات مرموش الذي يعيش أزهى فتراته مع المنتخب رغم التراجع في مانشستر سيتي، وانطلاقات "تريزيغيه" الغادرة.
الرهان الفني في هذه المباراة واضح: اضرب في الظهر ولا تتراجع، السيناريو الذي يخشاه الجمهور هو اللعب بخوف أو العودة للدفاع المبالغ فيه كما حدث في مواجهات سابقة، وهو ما يجب أن يتخلى عنه العميد عندما يقتضي الأمر؛ فالهجوم هو خير وسيلة لإرهاب الأسود.
الضغط ينقلب على البطل
وعلى الجانب النفسي، قد تبدو الأفضلية التاريخية المؤخرة للسنغال عامل قوة لهم، لكنها في الحقيقة قد تكون فخاً.
الضغوط كلها ملقاة على عاتق رفاق ماني؛ فهم حاملو اللقب السابق وفريقهم المرشح الأبرز على الورق، وسجلاتهم الأخيرة تضعهم تحت مقصلة ضرورة الفوز.
في المقابل، يلعب منتخب مصر بروح المحارب الذي ليس لديه ما يخسره بعدما عاد من بعيد في البطولة التي لم يرشحه لها أكبر المتفائلين.
إنها ليلة لا تقبل القسمة على اثنين، ليلة يترقب فيها الملايين أن يصرخ محمد صلاح ورفاقه في وجه التاريخ: نحن هنا، والماضي لن يعود.
هل يثأر الفراعنة؟ أم تواصل السنغال كتابة فصول الكابوس؟ الإجابة في أقدام اللاعبين فقط.