في أروقة نادي النصر السعودي، وبين جدران الأول بارك، يبدو أن الصمت الذي يغلف مستقبل الحارس الشاب نواف العقيدي يحمل في طياته عواصف لم تكن في الحسبان.
فبينما كان الجميع ينتظر عودة حارس المستقبل لحماية عرين العالمي بعد فترة من التخبط، خرج البرتغالي جورجي جيسوس بفرمان دبلوماسي، ظاهره الدعم وباطنه تجميد فني تحت مسمّى المشاركة وفق الحاجة.
هذا القرار ليس مجرد رؤية فنية عابرة، بل هو بمثابة مقصلة قد تطيح بمستقبل واحد من أبرز المواهب السعودية في مركز حراسة المرمى.
1. ضياع الحلم المونديالي: الأخضر لا ينتظر أحداً
الكارثة الأولى والأكثر إيلاماً هي فقدان المقعد الأساسي في تشكيل المنتخب السعودي. مع اقتراب منافسات كأس العالم، يضع مدربو المنتخبات معايير صارمة، أولها المشاركة المستمرة.
العقيدي الذي كان يُنظر إليه كخليفة شرعي للعمالقة، يجد نفسه، الآن، خارج الحسابات الدولية. الجلوس على دكة النصر يعني تلقائياً السقوط من مفكرة الأخضر، وفتح الباب أمام منافسين آخرين لخطف الفرصة التاريخية للظهور في المونديال، وهو ثمن باهظ قد يدفعه العقيدي لسنوات طويلة.

2. صدأ الموهبة: عندما تفقد اليد حساسية المرمى
في عالم حراسة المرمى، حساسية المباريات هي العملة التي لا تُشترى في تدريبات الصباح. الغياب الطويل عن ضغط اللقاءات الرسمية، ومواجهة المهاجمين تحت الأضواء، يؤدي إلى ما يُعرف بصدأ الموهبة.
الحارس يحتاج لتقدير المسافات، سرعة رد الفعل في الكرات العرضية، والتعامل مع الانفرادات؛ وكل هذه المهارات تذبل وتموت تدريجياً مع طول الجلوس على مقاعد البدلاء، مما يجعل عودة العقيدي لمستواه المعهود مهمة شبه مستحيلة في حال قرر جيسوس الاستعانة به فجأة.
3. الانهيار الاقتصادي: بورصة العقيدي في مهب الريح
لغة المال والأرقام لا تجامل؛ فقيمته السوقية في بورصة اللاعبين مرتبطة بدقائق اللعب والتألق. استمرار العقيدي كخيار ثانٍ خلف البرازيلي بينتو سيعرض قيمته لانهيار حاد.
إذا فكر النصر في بيع اللاعب مستقبلاً، أو أراد العقيدي الرحيل لتجربة جديدة، سيجد نفسه أمام عروض لا تليق باسمه ولا بموهبته، لأن الأندية لا تدفع الملايين في حارس بديل لم يختبر قدراته منذ شهور.
4. الاهتزاز النفسي: من بطل شعبي إلى رجل تكميلي
الكارثة الرابعة تضرب الجانب الذهني؛ فالتحول المفاجئ من نجم الشباك والحارس الذي تتغنى به الجماهير إلى لاعب تكميلي يسد الفراغ عند الحاجة فقط، قد يدمر الثقة بالنفس.
العقيدي، الآن، يعيش صراعاً داخلياً مريراً، فرؤية زميله بينتو وهو ينال الثقة الكاملة من جيسوس، بينما هو ينتظر صدقة فنية من المدرب، قد تدخله في حالة من الإحباط تؤدي به إلى إهمال تطوير نفسه، والدخول في نفق مظلم من التراجع الذهني.
5. مقصلة الجمهور: الذاكرة التي لا ترحم إلا الواقفين
أخيراً، يواجه العقيدي خطر النسيان الجماهيري، في كرة القدم، الذاكرة مثقوبة، والجمهور لا يتذكر سوى آخر مشهد.
استمرار غياب العقيدي سيجعل الجماهير تنسى تصدياته الإعجازية، وبدلاً من ذلك، ستترسخ في أذهانهم صورة اللاعب الموقوف أو صاحب الأخطاء التي سبقت استبعاده.
هذا الضغط الجماهيري سيحول أي هفوة بسيطة للعقيدي عند عودته إلى جريمة كبرى، لأن الجمهور فقد صبره وفقد معه صورة الحارس الذي لا يُقهر.
إن بقاء نواف العقيدي تحت رحمة قرار جيسوس وفق الحاجة هو مقامرة كبرى بمستقبل حارس كان يُنتظر منه الكثير، فهل يرضخ العقيدي لهذا المصير، أم ينتفض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟