في ليلة لن تمحى من ذاكرة عشاق الفريق لم يكتفِ الأهلي السعودي بحصد النقاط الثلاث أمام غريمه التقليدي النصر، بل خرج من موقعة الجوهرة بحقيبة مليئة بالمكاسب الاستراتيجية والمعنوية التي قد تشكل نقطة تحول جذرية في موسم "الراقي".
ما حدث في جدة لم يكن مجرد فوز في مباراة كرة قدم، بل كان إعلانا صريحا عن عودة الروح، وكبرياء الكبار، ورسالة شديدة اللهجة للمنافسين بأن القلعة الخضراء لا تزال حصينة.
لقد دخل الأهلي اللقاء مثقلاً بالشكوك والغيابات، وخرج منه بطلا متوجا، محققا 5 مكاسب ذهبية لا تقدر بثمن:
1. تحطيم صنم العقدة.. جدة تبتسم لأبنائها أخيرا
المكسب الأهم تاريخياً ونفسياً هو إنهاء تلك اللعنة التي طاردت الأهلي لسنوات، منذ عام 2015، لم يتذوق "الراقي" طعم الفوز على النصر في بطولة الدوري داخل مدينة جدة.
سنوات عجاف تحول فيها "الكلاسيكو" على أرض الأهلي إلى كابوس يتكرر، لكن ليلة أمس كانت الموعد لكسر هذه العقدة للأبد، هذا الانتصار حرر اللاعبين والجمهور من الضغط النفسي المتراكم، وأثبت أن الجوهرة المشعة عادت لتكون جحيما للخصوم وليست نزهة لهم، منهياً حقبة من التفوق النصراوي في عقر دار الأهلي.
2. أكذوبة النجم الأوحد.. الأهلي بمن حضر
دخل الفريق المباراة وهو يفتقد لأهم ركائزه؛ غياب الساحر رياض محرز والحارس العملاق إدوارد ميندي ونجم الوسط فرانك كيسيه كان كفيلا بإحباط أي فريق آخر، لكن الأهلي قدم درسا مجانيا في مفهوم المجموعة، أثبتت التشكيلة أن الراقي بمن حضر، وأن شعار النادي أكبر من أي اسم مهما علا شأنه.
البدلاء والأسماء المتاحة قدموا ملحمة بدنية وفنية، ليخرسوا كل الألسنة التي رددت نغمة أن الأهلي سيقف عاجزا من دون محرز، هذا المكسب سيمنح المدرب يايسله ثقة عمياء في دكة بدلائه لباقي الموسم.
3. طوق النجاة للصانبي.. روح العائلة الواحدة
لعل اللقطة الأبرز في المباراة لم تكن الأهداف فقط، بل رد فعل الفريق تجاه حارسه الشاب عبد الرحمن الصانبي، بعد خطأ قد يكلف أي حارس مستقبله ويضعه تحت مقصلة النقد الجماهيري؛ إذ انتفض لاعبو الأهلي بشكل مذهل.
الهجوم الكاسح وتسجيل الأهداف كان بمثابة رسالة حماية للصانبي، لن ندعك تسقط وحدك. الفريق حمل حارسه على الأعناق وعوض خطأه بانتصار مدوٍ؛ ما سيمنح الحارس الشاب دفعة معنوية هائلة ويحميه من سهام النقد التي كانت ستنهش ثقته بنفسه لو انتهت المباراة بنتيجة سلبية.
4. اقتحام منطقة العمليات.. العودة لقلب المعركة
بعيدا عن العواطف، بلغة الأرقام، هذا الفوز كان أنبوبة أكسجين أنعشت آمال الأهلي في جدول الترتيب. النقاط الثلاث قفزت بالفريق خطوات واسعة ليقترب بشدة من مناطق المنافسة الحقيقية ومربع الكبار. الفوز على منافس مباشر مثل النصر يعني 6 نقاط (3 لك و3 خسرها الخصم)، وهو ما قلص الفارق، وجعل حلم المنافسة أو على الأقل حجْز مقعد آسيوي ومطاردة الصدارة أمراً واقعياً وملموساً، بعد أن كان الفريق يترنح في مناطق الدفء.
5. صك المصالحة.. عودة الثقة للمدرج الملكي
أخيراً، والمكسب الأغلى، هو استعادة النبض بين الفريق وجمهوره. العلاقة التي توترت بسبب تذبذب النتائج وبعض الأداء الباهت، عادت أقوى مما كانت عليه، الجمهور الأهلاوي المتطلب لا يرضيه إلا القتال، وقد رأى في "الكلاسيكو" فريقا يقاتل على كل كرة، ومدربا يدير المباراة بذكاء، ولاعبين يحرثون الملعب.
هذا الأداء البطولي كان بمثابة صك مصالحة أعاد الهيبة للمدرج، وجعل الجماهير تجدد الثقة في يايسله وكتيبته، وهو الوقود الذي يحتاجه الفريق لإكمال الموسم بالشراسة نفسها.
باختصار، لم يفز الأهلي بمباراة، بل استعاد هويته، وحطم عقده، وصالح عشاقه، في ليلة أثبت فيها أن الراقي قد يمرض، لكنه لا يموت.