تنخفض مؤشرات انفجار احتجاجات أقوى من التي اندلعت ديسمبر الماضي في إيران، وسط حركة الاعتقالات غير المسبوقة من جانب الأجهزة الأمنية بقيادة الحرس الثوري والباسيج ضد الحركات الإصلاحية في البلاد.
وكان من المنتظر أن تشهد الأيام الحالية، احتجاجات أقوى، بحسب مراقبين، وذلك تزامنا مع الذكرى "الأربعينية" للمظاهرات التي انطلقت في ديسمبر الماضي وخرجت عن السيطرة، إلا أن موجة الاعتقالات الجارية وما صاحبها من عمليات إعدام دون محاكمة، تُرهب الكثيرين من العودة إلى الشارع مجددًا.
وبحسب مختصين في الشأن الإيراني، فإن التظاهرات قد تعود مجددا ولكن ليس بالقوة المنتظرة لاسيما أن من حرك الاحتجاجات القوية السابقة وذهبت بعيدا في تهديد حقيقي للنظام، هم "أصحاب البازارات" ذوو الثقل الاقتصادي بسبب تهاوي العملة، وهو ما تعي السلطة خطورته جيدا.
ولا تتعلق خطورة "أصحاب البازارات" في تأثيرهم المالي فقط، ولكن في قدرتهم على هز قواعد النظام؛ لأنهم دائما ما كانوا يرون في الاستقرار ضرورة للحفاظ على مصالحهم ويبتعدون عن أي احتجاجات طوال سنوات ماضية ويساندون السلطة في إخمادها، لكن هذه المرة، كان تحريكهم للمظاهرات مشهدا مهما في أن السلطة تفقد أحد الدعائم لها.
ورأى مختصون في الشأن الإيراني، أن الاعتقالات الأخيرة بحق بعض الإصلاحيين من قبل النظام الإيراني، جزء من الهدف، لقطع الطريق عن أي احتجاجات قادمة من جهة، ومن جهة أخرى، إشغال وسائل الإعلام بعملية إلقاء القبض التعسفي، بعيدا عن حركة الإعدامات الواسعة.
وانطلقت مؤخرا حملات اعتقالات واسعة صوب التيارات الإصلاحية وقياداتها، ومن أبرزهم آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات والأمينة العامة لحزب "اتحاد الأمة الإيرانية"، وذلك عبر عناصر من جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني.
وتضمنت لوائح الاتهام، القيام بأنشطة منظمة تصب في مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة، والعمل على زعزعة الأمن الداخلي وإضعاف التماسك الوطني.
ويقول الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور محمد المذحجي إن الشعب الإيراني تجاوز مرحلة الخوف بعد الموجة السابقة وباتت الرغبات منصبة على كيفية العمل على إسقاط السلطة القائمة، لافتا إلى أن عمليات الإعدامات مستمرة، وسط صمت دولي غير مسبوق.
وأضاف المذحجي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الداخل فقد الأمل في الخارج، حيث يعدم المئات بشكل يومي في الوقت الحالي، في ظل موجة اعتقالات حيث تنفذ تلك العمليات دون إقامة محاكمات أو تسجيل الأسماء في لوائح الاتهام.
واعتبر الاعتقالات الأخيرة بحق بعض الإصلاحيين، بأنها جزء من الهدف، لقطع الطريق عن أي احتجاجات قادمة من جهة، ومن جهة أخرى، إشغال وسائل الإعلام بعملية إلقاء القبض التعسفي، بعيدا عن حركة الإعدامات الواسعة.
وأردف بالقول إنه بعد فترة سيتم الإفراج عن البعض ومحاكمة البعض الآخر، وإصدار أحكام قضائية وينتهي الأمر، ولا أحد يذكر حينئذ من تم إعدامه من الشعب خلال هذه الفترة.
ولفت المذحجي إلى أن عملية الاعتقالات المتصاعدة بحق الإصلاحيين، الموجهة من النظام، جاءت أيضا للتشويش على أية محاولة من جانب حسن روحاني، الذي يطمح في أن يكون خليفة المرشد الأعلى في إيران.
واستكمل أن هذا النوع من الصراع حاضر بقوة مع اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، وسط عمل من محيط المرشد على قص "أجنحة" حسن روحاني وإضعاف موقفه حتى لا يخرج من الدائرة التي يصوب عليها، برفع أسهمه سياسيا وأن يكون صاحب تأثير أمام الولايات المتحدة ومن ثم طاولة المفاوضات.
ووفق المذحجي، فإن إشعال هذه الاحتجاجات تستهدف بشكل أكبر التغطية على عملية تقوية أسهم مجتبي خامنئي ليكون خليفة "مجهز" لوالده في حال استهداف المرشد وسط ما يجري من عمل أمريكي يتعلق بتغيير رأس النظام.
بدوره، أكد الباحث في مركز ستاندرد للدراسات والأبحاث، الدكتور فرهاد دزه يي، أنه منذ أيام بدأت الأجهزة الأمنية لاسيما الممثلة في الحرس الثوري والباسيج، باعتقال قيادات تيارات إصلاحية في محاولة لترتيب أوراق الداخل، بعد موجة الاحتجاجات الأخيرة وارتداداتها.
وبين دزه يي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن إيران تعيش في حالة طوارئ بسبب الضغوط الأمريكية وتهديد ترامب بإسقاط النظام، لذلك قامت طهران بحركة اعتقالات سياسية واسعة وسط مخاوف مما يجهز من خطوات أمريكية في حال انفجار الاحتجاجات مجددا، بتطبيق نظرية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مع المرشد خامنئي.
ويعتقد دزه يي أن قوة الثورة في إيران لن تأخذ مسارها مجددا، في ظل الأساليب القمعية المتصاعدة يوما بعد يوم فيما يتعلق بالاعتقالات، وذلك بالتزامن مع توجيه تهديدات لأسر المعتقلين، بإتمام عمليات تنكيل بهم في حال الخروج ضمن أي احتجاجات، لإطلاق سراح ذويهم.
وبحسب المتحدث نفسه، فإن ما يثير هذه الانفتاح القمعي تجاه حركات الاصلاحيين، أن النظام يرى أنهم على اتصال بنجل الشاة في الخارج، ولذلك اتخذت طهران إجراءات احترازية لقطع الطريق على أي تنسيق بينهم.
ويرى دزه يي أن التظاهرات قد تبدأ مجددا ولكن ليس بالقوة المنتظرة لاسيما أن من حرك الاحتجاجات القوية في ديسمبر الماضي وذهب بعيدا في تهديد حقيقي للنظام، هم أصحاب البازارات ذو الثقل الاقتصادي بسبب تهاوي العملة، وهو ما يفهم النظام خطورته جيدا.
وذكر أن التظاهرات قد تنطلق ولكن لن تكون بقوة ما جرى في ديسمبر 2025، وذلك بسبب صعود استخدام أدوات القمع من جانب القائمين على السلطة إلى أعلى مستوى من الأجهزة الأمنية بمباركة النظام، وهو ما يبث الخوف داخل الكثيرين.
وتابع بالقول إن زيارة الراديكالي المحافظ علي لاريجاني إلى مسقط، حملت رسائل بعدم التنازل على مستوى تخصيب اليورانيوم وسط الرفض القاطع لـ"صفر تخصيب" في ظل رهان طهران على فكرة خوف دول المنطقة من سقوط النظام؛ بسبب تداعيات الفوضى في الشرق الأوسط.
وأوضح دزه يي أن "ما تراه طهران في ضغوط دول المنطقة على الولايات المتحدة بعدم إسقاط النظام خشية من اندلاع الفوضى بالمنطقة، جاء بتحريك الاعتقالات الشرسة نحو الإصلاحيين".