ترمب لمجلة "تايم": الإيرانيون مفاوضون أفضل من كونهم مقاتلين
لم يكن خروج الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني عن صمته تفصيلاً عابراً، بل بدا أقرب إلى إنذار داخلي من داخل النظام نفسه. فدعوته إلى "إصلاحات عاجلة" وإنهاء الحرب "بشكل مشرّف" تعكس إدراكًا بأن إيران لا تواجه فقط تصعيدًا عسكريًا، بل اختلالًا عميقًا في بنية القرار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين بقية الإصلاحيين، ولماذا يبدو حضورهم شبه معدوم في لحظة مفصلية كهذه؟
الحرس الثوري يملأ الفراغ
تشير تحليلات صادرة عن معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة إلى أن الحرس الثوري وسّع نفوذه خلال الحرب إلى مستوى بات معه الفاعل الأبرز في إدارة الدولة، خاصة في الملفات الأمنية والعسكرية.
هذا التوسع في دور المؤسسة العسكرية ينعكس عمليًا على تراجع وزن المؤسسات المدنية والتيارات السياسية الأخرى، بما فيها التيار الإصلاحي، حتى دون وجود إعلان رسمي بهذا التحول.
تصدعات داخلية وكفة محسومة
يتقاطع هذا الاتجاه مع ما نقلته "رويترز" عن تصدعات داخل القيادة الإيرانية بين تيارات أكثر تشددًا وأخرى تميل إلى البراغماتية، لكن مع ميل واضح في ميزان القوة لصالح الحرس الثوري. كما أشارت الوكالة إلى تصاعد الإجراءات الأمنية داخليًا تحسبًا لأي اضطرابات، وهو ما يعزز مناخًا سياسيًا أكثر انغلاقًا، تضيق فيه مساحة النقاش العام والاختلاف.
معارضة محاصرة
في هذا السياق، لا يبدو غياب شخصيات، مثل: محمد جواد ظريف، أو محمد خاتمي، نتيجة حدث مفاجئ، بل نتيجة مسار طويل من التهميش السياسي.
وتشير تحليلات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن التيار الذي مثّله ظريف، القائم على التفاوض والانفتاح، واجه، منذ سنوات، مقاومة شديدة من التيار المحافظ، ما حدّ من قدرته على التأثير حتى قبل الحرب، ليتراجع حضوره أكثر مع تصاعدها.
أما خاتمي، فلا توجد مؤشرات موثقة من مصادر غربية على وضعه في إقامة جبرية جديدة خلال الحرب، لكن القيود المفروضة عليه منذ سنوات - خاصة على الظهور الإعلامي والنشاط السياسي - جعلت حضوره محدودًا.
في المقابل، لا يزال مهدي كروبي، إلى جانب مير حسين موسوي، يخضعان لإقامة جبرية منذ احتجاجات العام 2009، وفق ما وثقته تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش وجهات حقوقية أخرى. ويعكس استمرار هذا الوضع حتى اليوم حدود الهامش المتاح لأي معارضة داخلية، ويعزز صورة نظام يضيق تدريجيًا بأي صوت خارج الخط الرسمي.
دولة تتجه نحو "الأمننة"
يرتبط التحول الأعمق بطبيعة الدولة نفسها في زمن الأزمات. تحليلات منشورة في مجلة "فورين أفيرز" تشير إلى أن النظام الإيراني الذي يواجه تهديدات وجودية يتجه إلى إعادة تركيز السلطة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تراجع دور الفاعلين السياسيين المدنيين، حتى من داخل النظام نفسه.
في هذا الإطار، يبدو أن ما يحدث في إيران يتجاوز مجرد تراجع تيار سياسي، ليعكس انتقالًا أوسع نحو نموذج أكثر أمننة في إدارة الدولة. فالحرس الثوري، بحسب تقييمات معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، لا يقتصر دوره على المجال العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد والسياسة الداخلية، ما يحدّ من قدرة أي تيار آخر على لعب دور مؤثر، خاصة في ظروف الحرب.
صوت من الهامش
في هذا السياق، يرى الباحث السياسي مازن بلال، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن رسالة روحاني لا يمكن قراءتها بوصفها عودة للإصلاحيين إلى المشهد، بل بوصفها تعبيرًا عن موقعهم الحقيقي داخل النظام اليوم. ويقول إن "هذه الرسالة أقرب إلى تحذير من الهامش، لا إلى موقف صادر من داخل مركز القرار، ما يعكس حجم التراجع الذي وصل إليه التيار الإصلاحي في ظل هيمنة المؤسسة الأمنية" .
ويضيف أن "الحرب سرعت هذا التحول، بحيث لم يعد هناك مجال فعلي لتوازن سياسي داخل النظام، بل اتجاه متزايد نحو إدارة أكثر انغلاقًا تهمّش أي صوت يدعو إلى المراجعة".
حضور بلا تأثير
لم يختفِ الإصلاحيون في إيران نظريًا، ولم تثبت إقامة جبرية جماعية بحقهم، لكنهم أصبحوا محاصرين سياسيًا، وخارج دائرة القرار في لحظة تهيمن فيها المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، فيما تبقى المعارضة الأشد - مثل كروبي وموسوي - مقيّدة منذ سنوات دون تغيير. و رسالة روحاني، بهذا المعنى، لا تعلن عودة تيار، بل تكشف حقيقة وضعه، باعتباره "صوتاً بعيداً يسمع من الهامش، لا من داخل السلطة" .