قال خبراء إن دبلوماسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران تظهر وكأنها ليست سعيًا حقيقيًا للتوصل إلى اتفاق نووي، بل استراتيجية استنزاف مدروسة تهدف إلى إضعاف طهران سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، قبل اللجوء إلى الخيار العسكري.
وأوضح الخبراء أن هذا التقييم لم يعد مجرد تحليل نظري، بل أصبح يتردد بقوة داخل أروقة صنع القرار في واشنطن، خاصة مع استمرار التعزيزات العسكرية الأمريكية الضخمة في الخليج، قرب السواحل الإيرانية، بالتوازي مع فتح قناة المفاوضات غير المباشرة.
وأكدوا أن المناقشات داخل الإدارة الأمريكية لا تتركز الآن على مسألة مدى القدرة على ضرب إيران، فالجميع يعرف أن أمريكا قادرة عسكريًا.
وأضافوا أن "السؤال الحقيقي الذي يُطرح في الاجتماعات المغلقة هو: ماذا بعد الضربة الأولى؟ وكيف نخرج منها دون أن تتحول إلى نسخة أكبر من أفغانستان أو العراق؟".
ولفتوا إلى أن هذا التحول في التفكير الأمريكي من التركيز على "الدخول" إلى التركيز على "الخروج" أصبح سمة بارزة في الاستراتيجية الحالية تجاه إيران.
ويؤكد المحلل السياسي رامي محسن أنه في الوقت الذي تتواصل فيه التعزيزات العسكرية الأمريكية في المنطقة المحيطة بإيران يبرز داخل أروقة صنع القرار في واشنطن سؤال استراتيجي مختلف تماماً عن السؤال الذي يسيطر على الإعلام والحلفاء: ليس "كيف نهاجم إيران؟".. بل كيف ننهي أي مواجهة محتملة ونخرج منها بأقل الخسائر البشرية والسياسية والاقتصادية؟
وقال المحلل محسن، في حديث لـ"إرم نيوز"، إن هذا التحول في المنظور الأمريكي الذي أصبح أكثر وضوحاً وصراحة خلال الأسابيع الأخيرة يتزامن مع استمرار فتح قناة المفاوضات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران التي وُصفت بأنها "إيجابية نسبياً" لكنها لم تحقق اختراقاً ملموساً.
وبحسبه، فإن متابعة الإعلام الأمريكي تُظهر أن السؤال المطروح الآن في الاجتماعات المغلقة داخل البنتاغون والاستخبارات والخارجية الأمريكية ليس عن القدرة على الضربة العسكرية -فهي معروفة- بل عن المخرج الآمن من أي تصعيد، وكيفية تجنب تحول أي عملية محدودة إلى مستنقع طويل الأمد يشبه أفغانستان أو العراق.
من جانبه قال المحلل السياسي إياد جودة إن الإدارة الأمريكية لا تناقش القدرة على توجيه الضربة إلى إيران، بل كيف تكون هذه الضربة محدودة؟ وكيف تخرج منها بسرعة؟
وأشار المحلل جودة، في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن درس أفغانستان والعراق لا يزال يطارد واشنطن، وإيران ليست أفغانستان ولا العراق بل هي أكبر وأكثر تعقيداً، ولديها قدرات ردع متعددة الجبهات.
وأكد أن الذاكرة الأمريكية مليئة بالدروس المريرة خلال حربها في أفغانستان والعراق، التي كلفتها آلاف القتلى وأكثر من تريليون دولار، وإيران أكبر وأقوى وأكثر تماسكاً داخلياً، لذا فإن أي عملية عسكرية يجب أن تكون محدودة جداً.
ورأى أن الطلعات المكثفة لطائرات الاستطلاع الأمريكية فوق إيران ليست استعداداً لاحتلال، بل لضمان أن أي عملية عسكرية تكون دقيقة ومحددة زمنياً.
وخلص المحلل جودة إلى أن "ترامب يريد نصراً سريعاً يمكنه تسويقه داخلياً قبل الانتخابات النصفية. لكنه يعرف أن إسقاط النظام الإيراني أو حتى حربا طويلة ستكون كارثية".
وأردف: "في ظل المعطيات السابقة، يتضح أن الجانب الأمريكي اليوم ليس في حالة اندفاع نحو الحرب، بل في حالة حساب دقيق للتكلفة والنتائج.. هم يدركون جيداً أن الدخول في مواجهة مع إيران قد يكون سهلاً نسبياً، لكن الخروج منها سيكون صعباً جداً، وربما مستحيلاً دون ثمن باهظ".