في تطور يعكس انتقال الصراع من المسار الدبلوماسي إلى أدوات الضغط الجيوسياسي المباشر، فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًّا كاملًا على مضيق هرمز عقب انهيار جولة مفاوضات نادرة مع إيران، في خطوة تعيد تشكيل معادلة الطاقة والتجارة العالمية بدل احتوائها، وسط تحذيرات أوردتها صحيفة "التلغراف" من أن طهران تستخدم المضيق كورقة ضغط لفرض واقع يشبه "الابتزاز" على حركة التجارة الدولية.
وأكدت الصحيفة البريطانية في تقريرها، أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحصار جاء مباشرة بعد فشل المحادثات، رغم أن إعادة فتح المضيق كانت من أبرز المطالب الأمريكية؛ ما يعكس تناقضًا واضحًا بين الهدف المعلن والأداة المستخدمة.
يسعى القرار الأمريكي إلى منع طهران من تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز اقتصادي، عبر فرض رسوم عبور أو التحكم الانتقائي بالسفن، حيث سمحت إيران بمرور شحنات متجهة إلى الصين والهند، في حين قيّدت أخرى.
غير أن هذا النهج، كما ترى "التلغراف"، لا يقتصر تأثيره على إيران، بل يمتد إلى دول الخليج والاقتصادات المعتمدة على واردات الطاقة، إذ إن إغلاق أحد أهم ممرات النفط والغاز في العالم يعني عمليًّا نقل الصدمة إلى الأسواق العالمية، وليس احتواءها.
ولا يتوقف الأثر عند الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الغذاء، نظرًا لاعتماد إنتاج الأسمدة عالميًّا على إمدادات الخليج؛ ما يفتح الباب أمام موجة تضخمية أوسع تتجاوز النفط إلى الأمن الغذائي.
ورغم أن المحادثات التي جرت في إسلام آباد استمرت نحو 21 ساعة، فإنها انتهت دون اتفاق، في مشهد يعكس عمق فجوة الثقة بين الطرفين بعد عقود من العداء.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس: إن إيران رفضت "العرض النهائي"، في حين اعتبرت طهران الشروط غير مقبولة، مع غياب أي خطط فورية لجولات تفاوض جديدة.
ومع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن الوسطاء لا يزالون يرون نافذة مفتوحة لإحياء المسار الدبلوماسي، في ظل إدراك الطرفين أن التوصل إلى اتفاق شامل من جولة واحدة كان أمرًا غير واقعي.
وتتمحور الخلافات حول ثلاث نقاط أساسية: إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، مثل: ميليشيا حزب الله، وحركة حماس.
وترى "التلغراف" أن هذه الشروط تمثل الحد الأدنى من منظور واشنطن، معتبرة أن طهران لا يمكن أن تُمنح حق التحكم بممر دولي أو استخدامه كأداة ضغط، فيما يشكل برنامجها النووي عنصر تهديد يتجاوز الإقليم.
في موازاة ذلك، لم تشارك إسرائيل في المفاوضات، ولم تُستشر في إعلان وقف إطلاق النار المؤقت؛ ما يثير مخاوف من صياغة تسوية لا تأخذ في الاعتبار هواجسها الأمنية.
ومن المتوقع أن ينظر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى أي اتفاق محتمل بحذر، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد "حزب الله"، واعتبار البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًّا.
وتلفت الصحيفة إلى تحول لافت في الخطاب الأمريكي، حيث تراجعت واشنطن عن دعوات تغيير النظام، في وقت أعلن فيه ترامب "النصر" استنادًا إلى الضربات العسكرية التي أضعفت القدرات الإيرانية.
لكن هذا التقييم يتناقض مع مؤشرات تفيد بأن المنشآت النووية لم تُدمّر بالكامل، بل لا تزال قابلة لإعادة التشغيل؛ ما يطرح تساؤلات حول جدوى الإستراتيجية الحالية.
وتطرح التلغراف سؤالًا جوهريًّا: حتى في حال التوصل إلى اتفاق، كيف يمكن ضمان التزام إيران بشروطه؟ خصوصًا في ظل سجل طويل من التوترات وانعدام الثقة.
وفي هذا السياق، تحذر الصحيفة من السماح للحرس الثوري الإيراني بالتحكم بحركة الملاحة أو فرض رسوم عبور، معتبرة أن ذلك لا يهدد فقط أمن الطاقة، بل يقوّض أحد أسس النظام التجاري العالمي.
في المحصلة، لا يبدو أن الحصار البحري يمثل حلًّا بقدر ما يعكس تعقيد الأزمة، إذ ينقل المواجهة من ساحة التفاوض إلى اختبار مفتوح بين التصعيد العسكري وإعادة ضبط المسار السياسي.
وبينما تلوّح واشنطن بخيارات إضافية، بما في ذلك تدخل عسكري أوسع، يبقى المسار غير محسوم: إمّا تصعيد يوسّع نطاق الصراع، وإمّا تسوية صعبة بشروط لم تنضج بعد.
لكن المؤكد، وفق قراءة "التلغراف"، أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح نقطة اختبار للنظام الاقتصادي العالمي، حيث تتقاطع الطاقة مع السياسة، ويتحوّل الاختناق الجغرافي إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى.