"يا له من أسبوع".. هكذا عبّر عضو قيادي في الحزب تعليقًا على سلسلة الأحداث التي تواجهها إدارة ترامب منذ مطلع الأسبوع الحالي في العاصمة واشنطن فيما يتعلق بروايتها للحرب مع إيران؛ بدءاً من لحظة استقالة رئيس المركز الوطني لمحاربة الإرهاب "جو كينت" ونشره رسالة الاستقالة كاملة على منصة "إكس".
بالإضافة إلى جلسات الاستماع العلنية لمسؤولي وكالة الاستخبارات الوطنية أمام الكونغرس والتي لم تكن هي الأخرى أقل عصفاً، انتهاءً بالانتقاد العلني الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب للحكومة الإسرائيلية لاستهداف منشآت النفط الإيرانية.
لم تكن الأزمة في استقالة رئيس المركز الوطني لمحاربة الإرهاب مقتصرة فقط على الرواية التي برر بها استقالته من أهم مؤسسة أمنية لمكافحة الإرهاب في البلاد، وقراره بجعل الاستقالة مسألة نقاش وطني يرتبط بوجود من عدم وجود أسباب مقنعة لدى الإدارة بالدخول في الحرب الحالية في إيران.
الأزمة تعدت ذلك إلى سيناريو الاستقالة وما خلفه من أزمة داخل الإدارة تظهر حجم الانقسام الواضح في الإرادة وفي المواقف والمواقع والقناعات.
مصادر مقربة من البيت الأبيض تقول لـ"إرم نيوز" إن نقاشات داخلية عميقة سبقت قرار المسؤول الأمني الرفيع، وبعضها كان مع كبار مسؤولي الإدارة من الدائرة الضيقة من حول الرئيس، لكنها جميعاً لم تنجح في تضييق حجم الهوة في القناعات وفي الاختلافات بين المسؤول السابق ووجهات نظر المحيطين بالرئيس.
تشير المصادر إلى أن أرفع مسؤول قابله الجندي السابق في العراق وأفغانستان كان نائب الرئيس "جي دي فانس"، الذي يتشارك مع كينت الرؤية السياسية للحرب الجارية في الشرق الأوسط، خاصة في مسألة تخطيط الإدارة لإرسال جنود أمريكيين للقتال على الأرض في إيران.
حتى ذلك اللقاء بين المقاتلين السابقين في الجيش الأمريكي في حربي العراق وأفغانستان لم يكن كافياً ليغير المسؤول الأمني تقييمه الأمني لقرار الإدارة بالذهاب إلى الحرب في إيران.
وأوضح المقربون لـ "إرم نيوز" أن لقاءً ثانياً -كان هو آخر المحاولات لمناقشة المقاتل السابق الذي فقد زوجته المقاتلة هي الأخرى في هجوم استهدف القوات الأمريكية العاملة في سوريا قبل سنوات من الآن- جمع بين كينت وكبيرة موظفي البيت الأبيض "سوزان وولز".
هذا اللقاء لم ينجح هو الآخر في تقريب وجهات النظر بين وولز الكبيرة النفوذ في الإدارة وكينت، لينتهي المسؤول الأمني إلى قراره بالاستقالة ونشر الرسالة للرأي العام على موقع "إكس"، في إشارة إلى أنه يرغب في أن يحول القضية إلى قضية نقاش وطني في وقت تخوض فيه الإدارة معركة سعي حثيث لأجل الدفاع عن موقفها بالذهاب إلى هذه الحرب، والدفاع عن صحة قرارها أمام الرأي العام بذلك.
وتُشير مصادر "إرم نيوز" إلى أن الرئيس ترامب لم يكن طرفاً في أيّ اجتماعات سبقت قرار كينت بالاستقالة من مهامه على رأس مركز مكافحة الإرهاب، لكنه كان على اطلاع بالنقاشات التي حصلت داخل المكتب البيضاوي، ليرد على رسالة كينت خلال حديثه لمراسلي البيت الأبيض بأن المدير السابق مسؤول "قليل الكفاءة".
لم يكن الأمر مفاجئاً أن يقول الرئيس ترامب عن مديره السابق والحليف الأقرب إلى قناعاته السابقة عبر حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" إنه غير مؤهل لمنصب أمني رفيع من هذا المستوى حتى لو كان هو من اختاره ومن دافع عن تعيينه، وحجته حينها أن كينت مقاتل من الصف الأول وأنه شارك في 12 عملية قتالية باقتدار ونجاح، وأنه سيكون أفضل من يمكن أن يقود هذا المركز المسؤول عن حماية الأمن القومي للبلاد.
أكثر ما أثار استياء الدائرة المقربة من الرئيس أن رسالة كينت أعادت جهود الإدارة في تبرير الحرب للأمريكيين إلى نقطة البدء من جديد، بقوله إن التقديرات الأمنية المختصة لم تكن لتشير إلى وجود أي تهديد وشيك من إيران للأمن القومي الأمريكي ولا لأمن الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط، وأكثر من ذلك يقول المقاتل السابق إن إيران لم تكن قريبة -كما أعلن البيت الأبيض- من امتلاك سلاح نووي.
كينت، قصد ذلك أم لم يقصد، فقد انتهى إلى إيصال رسالة للأمريكيين تقول إن الإدارة دخلت في حرب لا تشكل مصلحة أمريكية، وإن هذه الحرب هي مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى.
رواية كينت أعادت إلى دائرة الجدل الأمريكي التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية "ماركو روبيو" أمام قيادات الكونغرس بأن إسرائيل كانت في طريقها للهجوم على إيران، وأن الرئيس ترامب قرر الدخول في الحرب تحوطاً من هجمات انتقامية من الإيرانيين.
عاد الرئيس ترامب وروبيو في اليوم التالي وحاول كلاهما تعديل نص رواية الحرب، لكن رسالة كينت أعادت الرواية الرسمية مجدداً إلى دائرة الجدل.
يقول المقربون من البيت الأبيض إن سلسلة نقاشات بين أعضاء الدائرة الضيقة من حول الرئيس وقيادات "البنتاغون" لا تتوقف على مدار الساعة حول قرار بات وشيكاً يقضي بتوجه الإدارة إلى إرسال خمسة آلاف جندي إلى مضيق هرمز للتعامل مع أزمة المضيق، ومحاولة السيطرة على المنطقة القريبة منه لمنع تفاقم أزمة عبور السفن التجارية وانعكاساتها المدوية على سوق النفط العالمي.
تشير المصادر إلى أن القرار بات أقرب إلى التنفيذ في الأيام القليلة القادمة بصورة أسرع من أي وقت سابق، وذلك بسبب تقدير الإدارة أنه سيكون من مصلحة البيت الأبيض السياسية إظهار دور قيادي للرئيس ترامب في إنهاء أزمة المضيق بتدخل أمريكي مباشر، وتعزيز فكرته بأن الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الأزمة في المضيق بصورة منفردة ودون الحاجة إلى حلفائها الأوروبيين والآسيويين.
قبل هذه الخطوة، كانت هناك مجموعة تحفظات لا تزال الدائرة المحيطة بالرئيس تختلف بشأنها، خاصة مسألة الالتزام السابق للرئيس ترامب بأنه لن ينفذ أي إنزال على الأرض للقوات الأمريكية في حرب إيران.
وكذلك تكرر مشهد ذهابه إلى المطار العسكري بـ"ديلاوير" لاستقبال جثامين ستة من الجنود القتلى في حادثة تحطم طائرة التزود بالوقود التي تحطمت على الأراضي العراقية على الحدود مع إيران.
لن يكون القرار سهلاً أمام الحسابات التي تتحكم في توجهات الإدارة في ظل انخفاض تأييد الأمريكيين للحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
غضب الرئيس ترامب لم يكن مقتصراً فقط على دائرته المحيطة ولا من حليف سياسي سابق، بل امتد إلى القيادة العسكرية في إسرائيل بسبب استهدافها لمنشآت النفط الإيرانية.
وأوضح مقربون من البيت الأبيض لـ"إرم نيوز" أن رؤية الرئيس لاستهداف البنية التحتية لإيران، وخاصة المنشآت النفطية، مسألة مرفوضة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يعبر فيها الرئيس عن هذا الرفض، بل سبق ذلك اعتراض آخر كان أعلنه في الأسبوع الثاني من الحرب عندما نفَّذت القوات الإسرائيلية هجمات على منصات الوقود في العاصمة طهران؛ ما أدى إلى انتشار دخان كثيف في سماء طهران؛ ما دفع بالرئيس إلى إرسال مبعوثه الرئاسي "ستيف ويتكوف" برفقة الصهر المستشار "كوشنر" إلى إسرائيل دون لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينها، ودون تقديم أي توضيحات لمراسلي البيت الأبيض بشأن ذلك الاجتماع الذي لم يحدث.
غضب الرئيس العلني أثار هو الآخر -يقول المقربون من البيت الأبيض- موجة أسئلة تتعلق بحجم ونوع التنسيق الإسرائيلي الأمريكي في هذه العمليات العسكرية، وكذلك حجم التطابق في الأهداف العسكرية التي يريد كل طرف تحقيقها في إيران.
كبار مسؤولي الأجهزة الأمنية في إدارة الرئيس ترامب توجهوا إلى مبنى "الكابيتول" للشهادة أمام مشرفي لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، حيث كان على مديرة الاستخبارات الوطنية "تولسي غابارد" أن تجيب عن ذلك السؤال الجوهري الذي يشغل تفكير الأمريكيين: إذا كان هناك تهديد وشيك وجاد من الإيرانيين لأمن الولايات المتحدة هو الذي حرك الرئيس ترامب لإعلان الحرب.
المسؤولة الأمنية المثيرة للجدل اختارت في إفادتها أن تضع مسؤولية جهازها الأمني جانباً، واختارت أن تقول إن الرئيس ترامب هو وحده المخول بتحديد نوع وطبيعة التهديد الذي يمس بالأمن الوطني، ومن ثم اتخاذ القرار الذي يراه مناسباً للتعامل مع هذه التهديدات.
ليقابل الأعضاء الديمقراطيون في المجلس، تبرير المسؤولة الأمنية بالكثير من الاستغراب حول دور الأجهزة الأمنية في تقييم حجم المخاطر، لأن ثوابت العمل في واشنطن تشير إلى أن الأجهزة المختصة هي من تحدد نوع المخاطر وهي من تقوم بإبلاغ الرئيس بها، وله سلطة القرار في نهاية المطاف.
غابارد -يقول المقربون من البيت الأبيض- إنها ليست على وفاق مع الدائرة الضيقة حول الرئيس، وذلك بسبب موقف سابق لها قبل تعيينها في هذا المنصب عندما تصدرت في وقت إدارة الرئيس السابق جو بايدن حملة على شبكة الإنترنت وعلى موقعها الشخصي لمعارضة الحرب على إيران، وجعلت من هذا الموقف شعاراً سياسياً لحملة كانت تقودها في مختلف جهات البلاد.
وأوضح المقربون أن المحيطين بالرئيس يعتقدون أنه ليس من السهولة الثقة في تقييمها وهي المعروفة سلفاً بمعارضتها لأيّ حرب محتملة ضد إيران عندما كانت خارج السلطة.
القادة الديمقراطيون، من جهتهم، فسروا شهادة المسؤولة الأمنية أمام الكونغرس بأنها سعي منها لإعادة بناء رصيد الثقة في البيت الأبيض بالتقليل من مساحة القرار لدى الجهات الأمنية المختصة، وجعل سلطة ذلك كاملة في تقدير الرئيس بدلاً من المؤسسات المخولة قانوناً لفعل ذلك.