حزب الله يقول إنه استهدف مركبة عسكرية إسرائيلية في القنطرة بطائرة مسيرة اليوم الأربعاء
رغم الحرب العنيفة، والضربات الجوية التي استهدفت قلب السلطة في طهران، لم تظهر موجة لجوء إيرانية واسعة كما توقعت العواصم الأوروبية، في مفارقة أربكت الحسابات السياسية والأمنية.
فقد أكدت وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي في تقريرها الصادر، في مارس/آذار 2026، أن أعداد طالبي اللجوء الإيرانيين بقيت ضمن المعدلات الطبيعية، مع نحو 8 آلاف طلب فقط خلال العام 2025، دون أي ارتفاع استثنائي بعد اندلاع الحرب.
كما نقلت "رويترز" عن مسؤولين أتراك أن الحدود مع إيران لم تشهد تدفقات غير اعتيادية، رغم الاستعدادات المسبقة لسيناريو نزوح جماعي.
لكن هذا "الهدوء" لا يعكس استقراراً بقدر ما يخفي تحولاً أخطر. فالإيرانيون لم يهربوا من الحرب لأنهم لم يخافوا، بل لأنهم انتظروا لحظة قد تفتح باب التغيير في نظام طالما أغلق كل الأبواب أمامهم.
رهان التغيير.. لماذا بقي الإيرانيون؟
التقديرات الأوروبية التي راهنت على موجة لجوء سريعة تجاهلت عاملاً حاسماً هو المزاج الداخلي الإيراني.
فبحسب ما نقلته منصة "آي يو أبزرفر" عن مصادر في المفوضية الأوروبية، لم تُسجل أي زيادة ملموسة في أعداد المهاجرين الإيرانيين رغم الظروف القاسية.
ويعكس هذا السلوك حقيقة مختلفة عمّا يروّج له النظام. فالمجتمع الذي خرج في احتجاجات دموية قبل أشهر لم يرَ في الحرب سبباً للهروب، بل فرصة محتملة لكسر المعادلة الداخلية. أي أن البقاء لم يكن تعبيراً عن ولاء، بل عن انتظار.
لكن هذا الانتظار بدأ يتآكل مع تصاعد الحديث عن تفاهمات دولية قد تُبقي النظام قائماً. وهنا تحديداً يبدأ التحول الأخطر.
لحظة الانفجار المؤجل
في هذا السياق، يقول الباحث المختص بالشأن الإيراني محمد صالح الفتيح: "المفارقة أن الحرب أخّرت الهجرة بدل أن تُسرّعها، لأن شريحة واسعة من الإيرانيين اعتبرت أن هناك فرصة للتغيير" .
لكنه يحذّر من أن "انتهاء الحرب بتثبيت النظام سيطلق موجة هجرة أكبر بكثير، لأنها ستكون مدفوعة بانهيار الأمل لا بالخوف فقط".
ويضيف الفتيح أن "الخطر لا يكمن فقط في حجم الهجرة المحتملة، بل في نوعيتها وتوقيتها"، موضحاً أن ما يجري، اليوم، هو" تحول في وعي المجتمع الإيراني نفسه، حيث لم تعد الهجرة مرتبطة بلحظة قمع أو أزمة مؤقتة، بل بفقدان الثقة بإمكانية إصلاح النظام من الداخل".
ويشير إلى أن الفئات الأكثر تعليماً وإنتاجاً هي أول من يترجم هذا التحول إلى قرار فعلي بالمغادرة، ما يعني أن أي موجة قادمة لن تكون مجرد نزوح عددي، بل استنزافاً نوعياً طويل الأمد.
ويختم بالقول إن" تثبيت الوضع القائم بعد كل هذا الثمن الذي دفعه الإيرانيون قد يكون الرسالة الأكثر قسوة: لا تغيير في الأفق، وعندها تتحول الهجرة من خيار إلى مسار جماعي شبه حتمي".
هذا التقدير تدعمه الأرقام. فوفق دراسة بعنوان "هجرة الإيرانيين: الأسباب والدوافع”، فإن 16% فقط من الإيرانيين لا يفكرون بالهجرة، فيما يفكر الباقون أو يسعون إليها، وفقاً لمرصد الهجرة في إيران، ويشير إلى أن عدد المهاجرين تضاعف 4 مرات خلال العقود الثلاثة الماضية.
وتكشف هذه المعطيات أن ما يحدث ليس غياباً للهجرة، بل هو تأجيل لها. أي أن المجتمع الإيراني يقف على حافة قرار جماعي قد يُفعّل دفعة واحدة إذا أُغلق أفق التغيير نهائياً.
نزيف الكفاءات.. النظام يطرد مستقبله
المشكلة لا تتوقف عند الراغبين بالمغادرة، بل تمتد إلى طبيعة من يغادر.
فقد ذكرت "فايننشال تايمز" أن عدد الطلبة الإيرانيين في الخارج تجاوز 110 آلاف خلال 2024، في مؤشر على تسارع خروج الكفاءات.
كما حذّر معهد الشرق الأوسط من تصاعد "هجرة العقول"، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والطب.
ولايبدو هذا النزيف عرضياً، بل نتيجة مباشرة لسياسات النظام. فبدلاً من خلق بيئة إنتاج، يدفع النظام الفئات الأكثر تعليماً ومهارة إلى المغادرة، ما يحوّل الأزمة من سياسية إلى وجودية تمس مستقبل الدولة نفسها.
أدوات خنق تدفع إلى الرحيل
لم تعد الضغوط سياسية فقط. فقد كشف "إيران إنترناشيونال" أن انقطاع الإنترنت خلال الحرب شلّ الاقتصاد الرقمي، مع تقديرات لمنصة "نتبلوكس" بخسائر بلغت نحو 1.8 مليار دولار خلال أسابيع.
وأصاب هذا الانقطاع مباشرة، الفئات الأكثر قدرة على الصمود داخل البلاد، بدءاً بالعاملين عن بُعد، المبرمجين، وأصحاب المشاريع الناشئة.
أي أن النظام لم يكتفِ بقمع الشارع، بل ضرب حتى فرص البقاء الاقتصادي، ما يدفع هذه الفئات تحديداً إلى التفكير بالهجرة كخيار وحيد.
بالتوازي، يستمر التضخم، وتراجع فرص العمل، ما يوسّع دائرة الراغبين في المغادرة لتشمل طبقات لم تكن تفكر بذلك سابقاً.
الهجرة كتصويت ضد النظام
التحذير الأوضح جاء من وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي، التي أشارت إلى أن تحرك نسبة صغيرة فقط من سكان إيران (نحو 90 مليون نسمة) قد يُنتج واحدة من أكبر موجات اللجوء في العالم.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: ما لم تُنتجه الحرب قد تُنتجه نتائجها. فإذا انتهت المواجهة بتثبيت النظام، فإن الإيرانيين الذين بقوا أملاً بالتغيير قد يغادرون دفعة واحدة لأنهم فقدوا هذا الأمل.
بمعنى أدق، الهجرة القادمة - إن حدثت - لن تكون هروباً من القصف، بل تصويتاً جماعياً ضد نظام أثبت، مرة أخرى، أنه قادر على البقاء، لكنه غير قادر على منح شعبه سبباً للبقاء.