مع اقتراب انتهاء معاهدة ستارت الجديدة، وتصاعد التوسع الصيني، وتراجع الثقة الأمريكية بين الحلفاء، تواجه دول شمال شرق آسيا، بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية وربما تايوان، مرحلة جديدة من التوتر النووي الذي يذكّر بالعصر النووي للحرب الباردة، وفق صحيفة "آسيا تايمز".
تمثل معاهدة ستارت الجديدة، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2011، حجر الزاوية في ضبط سباق التسلح النووي بين واشنطن وموسكو، حيث حدّت من عدد الرؤوس النووية الأمريكية والروسية عند 1550 لكل طرف ونظمت عدد مركبات الإطلاق والقاذفات الثقيلة.
إلا أن المعاهدة تراجعت منذ عام 2023 بسبب الحرب الأوكرانية وتوقفت عمليات التفتيش الخارجية على المنشآت النووية؛ وهو ما جعل انتهاء صلاحيتها في الخامس من فبراير وشيكًا، مع مخاوف من سباق تسلح نووي جديد دون قيود، قد يؤدي إلى توسيع الترسانات بشكل كبير وزيادة احتمالات الحسابات الخاطئة والصراع.
في الوقت نفسه، تشهد الصين توسعًا كبيرًا في قدراتها النووية، حيث من المتوقع أن تصل ترسانتها إلى نحو ألف رأس نووي بحلول عام 2030، وهي خطوة تهدف إلى تعزيز قدرتها على الردع، رغم أنها تبقى أقل بكثير من الترسانات الأمريكية والروسية الضخمة.
ومع ذلك، ترفض بكين الانضمام إلى أي اتفاق ثلاثي للحد من التسلح مع واشنطن وموسكو، معتبرة أن فرض قيود عليها قبل تخفيض ترسانات الطرفين الآخرين أمر غير منطقي، وهو موقف يعكس تاريخ الصين الطويل في مواجهة تهديدات نووية وغربية سابقة.
ويأتي هذا التوسع في وقت يتغير موقف الولايات المتحدة تجاه انتشار الأسلحة النووية الإقليمية، حيث وصف الرئيس الأمريكي ترامب كوريا الشمالية بأنها قوة نووية، وأشار إلى إمكانية امتلاك اليابان وكوريا الجنوبية لأسلحتها النووية الخاصة.
كما شدد كبار الاستراتيجيين الأمريكيين على منح كوريا الجنوبية المسؤولية الرئيسية عن الردع بدعم أمريكي محدود؛ ما يضعف الثقة في المظلة النووية الأمريكية التقليدية.
مع تغير التوازنات الإقليمية، تتزايد رغبة اليابان وكوريا الجنوبية في امتلاك أسلحة نووية وطنية.
تمتلك كلا الدولتين القدرة التكنولوجية لتطوير ترسانات نووية بسرعة نسبية، خاصة مع برامج الغواصات النووية المزمع تشغيلها باليورانيوم المخصب؛ ما يجعل هذا الخيار متاحًا تقنيًا، وإن كان مثار جدل سياسي وشعبي.
في كوريا الجنوبية، أيدت أغلبية السكان امتلاك الأسلحة النووية منذ سنوات، في حين بدأت الحكومة اليابانية بمراجعة سياستها التقليدية التي تحظر امتلاك الأسلحة النووية؛ وهو ما يعكس قلقها من تراجع الالتزام الأمريكي بالحماية ومواجهة التهديد الصيني المتزايد.
أما تايوان، فتعتبر أقل احتمالًا لامتلاك أسلحة نووية في المستقبل القريب، لكنها قد تفكر في تطوير ترسانة صغيرة للردع في حال امتلكت اليابان وكوريا الجنوبية أسلحة نووية، ومع استمرار تراجع الثقة في الدعم الأمريكي وتصاعد تهديد بكين.
يعكس هذا التحول اتجاهًا جديدًا نحو إعادة الاستثمار في القدرات النووية كوسيلة للأمن الإقليمي، لكنه يزيد من مخاطر النزاع ويعيد شبهًا إلى أجواء الحرب الباردة، حيث من الممكن أن تشهد المنطقة سباق تسلح نووي غير مقيد وظهور دولتين نوويتين جديدتين على الأقل في شمال شرق آسيا.
مع استمرار التوسع السريع لترسانة الصين النووية، قد تصبح المنطقة أمام مرحلة حرجة تتطلب إدارة دقيقة للتوازنات الاستراتيجية، وحذرًا شديدًا لتجنب تصعيد محتمل قد يكون له آثار واسعة على الأمن الإقليمي والدولي.