كشفت مصادر من داخل البيت الأبيض، الخطوة التالية التي ينوي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتخاذها بعد عملية فنزويلا التي أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، مشيرة إلى أن البوصلة تتجه الآن نحو هافانا.
وقالت المصادر لـ"إرم نيوز"، إن فريق الأمن القومي خلص إلى مجموعة من المعطيات تشير إلى أن كوبا تُعد من أكثر دول القارة الجنوبية، والجار الأقرب للولايات المتحدة، ارتباطًا بحركة التغيير في فنزويلا.
وأوضحت المصادر أن فريق وكالة الاستخبارات الأمريكية الذي عمل داخل فنزويلا طيلة الشهور الماضية كشف حجمًا كبيرًا من الترابط بين نظام نيكولاس مادورو والنظام الكوبي، ولا سيما على مستوى التعاون الاستخباراتي والأمني والعسكري بين البلدين.
يأتي ذلك في وقت قال فيه ترامب، إنه يرى في كوبا المحطة الثانية بعد فنزويلا، معتبرًا أن الدولة الاشتراكية المجاورة باتت "جاهزة للسقوط"، بحسب ما سرب عبر وسائل إعلام أمريكية.
وكان ترامب حينها يرافقه السناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام، الذي يُوصف عادة بأنه أحد كبار مستشاريه في الشؤون الدولية.
وعلّق غراهام على حديث ترامب بالتأكيد على أن العالم سيشهد نسخة مختلفة من الولايات المتحدة، غير تلك التي كانت عليها قبل تنفيذ العملية العسكرية في فنزويلا، مشيرًا إلى أن ما سيأتي بعد ذلك سيكون مغايرًا تمامًا لما سبق، وأن الفضل في ذلك يعود لما قام به الرئيس ترامب من اعتقال الرئيس الفنزويلي واقتياده إلى الولايات المتحدة وتقديمه للعدالة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن أغلب العناصر التي واجهت القوات الأمريكية خلال تنفيذ عملية اعتقال مادورو كانوا من عملاء المخابرات الكوبية العاملين داخل القصر الرئاسي في فنزويلا.
وتشير المعلومات إلى أن العدد الأكبر من القتلى في الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو، لحظة إلقاء القبض عليه، كانوا عناصر كوبية، وليسوا من قوات الحرس الرئاسي الفنزويلي.
ونقلت المصادر عن أعضاء في فريق الأمن القومي في البيت الأبيض قولهم: "لقد وجدنا بلدًا يُدار من قبل عناصر كوبية في أعلى هرمه الأمني، وهي إشارة كافية لمعرفة حجم الترابط الكبير بين النظامين الحاكمين في كراكاس وهافانا".
وأضافت: "نحن ندرك مسبقًا حجم الترابط الوثيق بين مادورو ونظام كاسترو في هافانا منذ عقود، بالنظر إلى الاعتماد الكوبي الكامل على مصادر الطاقة الفنزويلية، فضلًا عن انخراط الطرفين في شبكة تحالفات استراتيجية دولية تعادي المصالح الأمريكية، وتوفّر أراضيَ لنشاط خصوم الولايات المتحدة على مسافات قريبة من أراضيها، ما يشكل تهديدًا صريحًا للأمن القومي الأمريكي".
وأوضحت المصادر أن القضاء على نظام مادورو في كراكاس سيؤدي إلى إضعاف النظام الكوبي، وزيادة عزلته الدولية، وانحسار موارده إلى ما يفوق قدرته الداخلية على السيطرة، وهو ما سيجعل استهداف هذا النظام عملية محدودة التعقيد.
وتشير المصادر إلى وجود عوامل إضافية ترجّح كفة كوبا لتكون الهدف التالي لإدارة ترامب، من بينها وجود جالية كوبيّة أمريكية واسعة في ولاية فلوريدا المجاورة، ورغبة هذه الجالية، منذ عقود، في رؤية تغيير سياسي حقيقي في الوطن الأم.
وأكدت المصادر أن هذه الجالية كانت داعمة للرئيس ترامب في سعيه إلى الرئاسة خلال الاستحقاقات الانتخابية أعوام 2016 و2020، إضافة إلى انتخابات العام الماضي، وترى في ذلك موقفًا يستحق من الرئيس ترامب الالتفات إلى معاناة الأمريكيين من أصول كوبية، الذين عاشوا لعقود حالة الانقطاع الكامل عن عائلاتهم وأقربائهم في كوبا، فيما نجحوا هم في الوصول إلى برّ الأمان عبر اللجوء إلى الولايات المتحدة.
أكدت المصادر ذاتها أن سياسة ترامب الأمنية غيّرت من نظرة الولايات المتحدة إلى جوارها القريب، إذ لم تعد هذه الإدارة تقبل بوجود أنظمة معادية للولايات المتحدة في محيطها الجغرافي المباشر.
وأضافت أن الاستراتيجية الأمنية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية، والتي ترتكز على تأمين الجزء الغربي من الكرة الأرضية بما يضمن إبعاد جميع مصادر الخطر عن الأمن القومي الأمريكي، وضعت الأنظمة المعادية ضمن دائرة الأهداف العاجلة.
وأوضحت المصادر أن الدوافع وراء العملية العسكرية في فنزويلا لم تقتصر على ملفات الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات، بل شملت معطيات أمنية معقدة كانت تجري تحت أنظار عملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية داخل فنزويلا.
وعند الحديث عن هذه التحالفات المعقّدة، ترى المصادر أن استهداف النظام في كوبا يُعد الحلقة التالية في هذه الاستراتيجية الأمنية.

وتشير المعلومات إلى نشاط إيراني مكثف داخل فنزويلا، وتعاون وثيق بين هذه الأنظمة والنظام الإيراني، إضافة إلى شبكات لتهريب المخدرات والسلاح والنفط في السوق السوداء، فضلًا عن مخاطر جدية لتسلل عناصر مجنّدة عبر قوافل الهجرة غير النظامية إلى داخل الولايات المتحدة.
وأوضحت المصادر أن تركيز إدارة ترامب على مكافحة الهجرة غير النظامية لم يكن مرتبطًا فقط بعدم قانونية دخول المهاجرين، بل أيضًا بمخاوف من ارتباط بعضهم بأجندات سياسية ومخططات تستهدف الأمن الداخلي الأمريكي عند توفر الظروف المناسبة.
وكان هناك دائمًا، وفق المصادر، تأكيد داخل نقاشات أعضاء مجلس الأمن القومي على طبيعة العلاقة الخاصة بين النظامين في كوبا وكاراكاس، وما يشكلانه معًا من مخاطر منفردة ومشتركة على الأمن القومي الأمريكي.
ويخلص التقييم الغالب داخل هذه النقاشات إلى أن إنهاء نظام مادورو، وسعي الولايات المتحدة إلى إقامة نظام صديق في فنزويلا، سيجعل النظام الكوبي عاجزًا أمام حالة الحصار التي سيجد نفسه تحتها.
وأكدت المصادر أن تحقيق هذا الهدف "لن يكون معقدًا"، وفق تقديرات أعضاء مجلس الأمن القومي، إذ ستكون الصورة أوضح، وسيصبح الجوار القريب والمباشر للولايات المتحدة أكثر أمنًا، مع وجود حكومات صديقة تسهم في الحد من مخاطر الهجرة وتسلل العناصر الإجرامية، وإبعاد الخصوم عن المحيط الجغرافي القريب من الحدود الأمريكية.
وأشارت إلى أن العوامل الاقتصادية تظل حاضرًا أساسيًا في حسابات هذه الإدارة، من خلال فتح أبواب استثمارات هائلة أمام رأس المال الأمريكي في دول لا تزال بحاجة إلى تطوير كبير في بنيتها التحتية وتحديث منظوماتها الصناعية وشبكات الاتصال، وهو ما من شأنه تعزيز فرص النمو لشعوب هذه الدول، وإنهاء خطاب العداء للولايات المتحدة في خاصرتها الجنوبية.