بينما تتعهد الحكومة البريطانية برفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تاريخية، تكشف التأخيرات المتكررة في نشر خطة الاستثمار العسكري عن مأزق حقيقي.
الطموحات العسكرية الضخمة تصطدم بواقع مالي قاسٍ، مما يثير قلق الحلفاء الأوروبيين ويهدد بشلل صناعة الأسلحة البريطانية.
وبحسب صحيفة "التايمز" البريطانية، تواجه لندن فجوة تمويلية قدرها 28 مليار جنيه إسترليني على مدى السنوات الأربع المقبلة، وهذا العجز الضخم يفسر سبب تعثر خطة الاستثمار الدفاعي (DIP) التي كان من المقرر صدورها في الخريف الماضي، ثم وُعد بها بنهاية 2025، لكنها لا تزال حبيسة الأدراج بسبب مواجهة حادة بين وزارة الدفاع والخزانة.
ودافع لوك بولارد، وزير الجاهزية الدفاعية، عن التأخير قائلاً لصحيفة "الجارديان": هذه مهمة أكبر مما يدركه كثيرون خارج قطاع الدفاع"، موضحاً أن الأمر يتطلب "تغيير شكل قواتنا المسلحة بشكل أساسي".
لكنه رفض تحديد موعد لإصدار الخطة، بينما حذر رئيس الجيش المارشال الجوي السير ريتشارد نايتون أمام البرلمان من أن تخفيضات دفاعية ستكون ضرورية دون توفير مزيد من التمويل.
تداعيات هذا المأزق تتجاوز الحدود البريطانية، حيث ذكرت مجلة "بوليتيكو" أن مسؤولاً دفاعياً بريطانياً أكد أن التأخيرات "تضع بنوداً مخططاً لها منذ فترة طويلة من الاتفاقيات الدولية على أرضية غير مؤكدة". وأعرب دبلوماسيان أوروبيان عن "إحباطهما" من التقدم البطيء، متوقعين تأثيره على الاتفاقات الثنائية.
كما أنّ البرامج المشتركة تعاني، فاتفاقية "ترينيتي هاوس" مع ألمانيا (2024) تتحرك ببطء شديد، خاصة برنامج "الضربة الدقيقة العميقة" حيث لم يُعرض أي عقد. كما تعثر توقيع العقد الثلاثي لبرنامج المقاتلة "تمبست" مع إيطاليا واليابان الذي كان مقرراً العام الماضي. أكد بولارد أن هذا التأخير مرتبط مباشرة بخطة الاستثمار المفقودة.
وحتى اتفاقية "لونا هاوس" مع النرويج جاءت "محدودة الطموحات" بسبب قيود بريطانية. ونقل دبلوماسي أوروبي قلقاً من أن "النظام البريطاني لم يتمكن من ضخ الأموال بسرعة الدول الأخرى".
داخلياً، الوضع لا يقل قتامة، ويشتكي ممثل شركة أسلحة متوسطة من أن الوصفة "الكبيرة والجريئة" لمراجعة الدفاع الاستراتيجية تحولت إلى "تأجيل متكرر".
وأنفقت شركات صغيرة أموالها الخاصة على تطوير معدات متقدمة تنتظر عقوداً لا تأتي، بينما حذرت شركة "سوباكات" من أن الموردين "سيعانون" دون مسار واضح.
وأكد متحدث باسم ADS، جماعة ضغط صناعية، أن "الصناعة والمخططين العسكريين لا يمكنهم القيام بعملهم دون اليقين الذي توفره خطة الاستثمار".
والأخطر هو تهديد فقدان العمالة الماهرة، حيث أشار مهندس في شركة دفاعية كبرى: "إذا كان الأمر سيئاً بالنسبة لنا، فكم سيكون صعباً على الشركات الصغيرة؟".
وكان رئيس الوزراء كير ستارمر قد وعد باستقطاع من ميزانية المساعدات للوصول بالإنفاق الدفاعي إلى 2.6% من الناتج المحلي بحلول 2027، و3.5% بحلول 2035. لكن الوعود اصطدمت بجدار الواقع المالي، حيث أكدت الحكومة أن "القواعد المالية لوزيرة المالية راشيل ريفز غير قابلة للتفاوض".
وقال إد أرنولد من مركز أبحاث " RUSI " إن بريطانيا لديها سجل طويل من الإفراط في الوعود والتقصير في التنفيذ"، مضيفاً أن "التصريحات السياسية الواسعة يجب أن تُموَّل من وزارة دفاع تعاني نقص التمويل في وقت يتصاعد فيه التهديد العسكري".
ورغم التحديات، تتجنب الحكومات الأوروبية الانتقاد العلني للندن، ساعية لإظهار جبهة موحدة أمام التهديدات الروسية. لكن السؤال يبقى: كم من الوقت يمكن أن تستمر هذه المجاملات قبل أن يتحول الإحباط إلى أزمة ثقة؟