تشهد ألمانيا نقطة تحول تاريخية في سياستها الدفاعية والأمنية، إذ تسعى برلين لإيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على التزاماتها تجاه حلف الناتو وإرضاء واشنطن من جهة، والعمل على تعزيز استقلاليتها الدفاعية الأوروبية من جهة أخرى.
يأتي ذلك، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة ومخاوف أوروبية من تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن القارة العجوز.
وطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دول الناتو برفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل أكثر من ضعف الهدف الحالي البالغ 2%.
وفي مايو/أيار عام 2025، أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول، أن بلاده مستعدة للتحرك نحو هدف ترامب، في خطوة تعكس حرص برلين على تهدئة واشنطن.
لكن هذا الموقف لم يكن بلا تردد، ففي يناير/كانون الثاني عام 2025، رفض نائب المستشار روبرت هابيك مطلب ترامب، واصفًا إياه بأنه "غير واقعي"، مقترحًا بدلًا من ذلك هدفًا يبلغ 3.5% من الناتج المحلي.
هذا التباين في المواقف يعكس الصراع الداخلي في ألمانيا بين الرغبة في استرضاء واشنطن والواقعية المالية.
يقود المستشار الألماني فريدريش ميرتس ما يسميه المراقبون "تسايتنفنده 2.0" (نقطة التحول 2.0)، وهو تطور للسياسة الدفاعية التي أعلنها سلفه أولاف شولتس عام 2022.
ووافق البرلمان الألماني في مارس/آذار عام 2025 على حزمة إنفاق ضخمة قد تصل إلى تريليون دولار على مدى العقد المقبل، بعد تعديل دستوري تاريخي يرفع القيود على الاقتراض الحكومي للأغراض الدفاعية.
وأعلن ميرتس في يونيو/حزيران الماضي، عن خطط لإنفاق ما يقارب 650 مليار يورو على مدى السنوات الخمس المقبلة، بهدف تحويل الجيش الألماني إلى أقوى قوة عسكرية تقليدية في أوروبا.
وفي تطور مفاجئ أثار موجة من الدهشة في أوساط الأمن الأوروبي، أعلن السفير الأمريكي لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، خلال مؤتمر برلين للأمن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن تطلع واشنطن لتسليم ألمانيا قيادة جميع قوات الحلف الأطلسي.
وقال ويتاكر: "أتطلع إلى اليوم الذي تأتي فيه ألمانيا إلى الولايات المتحدة وتقول إننا مستعدون لتولي منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء"، في إشارة إلى منصب القيادة الأعلى لقوات الناتو في أوروبا (SACEUR) الذي ظل حكرًا على ضباط أمريكيين منذ تأسيس الحلف قبل نحو 80 عامًا.
ووصف ويتاكر هذا الهدف بأنه "طموح تطلعي يجب أن نتطلع إليه جميعًا"، مشيرًا إلى رغبة واشنطن في رؤية القدرات العسكرية الأوروبية مساوية لتلك الأمريكية.
ورغم اعترافه بأن "الأمر يستغرق وقتًا طويلًا"، إلا أن تصريحاته أثارت موجة صدمة في الأوساط الدبلوماسية.
وجلس إلى جانب ويتاكر خلال المؤتمر الجنرال فولفغانغ فين، ممثل ألمانيا لدى الحلف، والذي لم يستطع إخفاء صدمته من وجهه، معترفًا بأنه كان "مندهشًا بعض الشيء" من هذا الاقتراح، معتبرًا أن منصب "SACEUR" هو منصب أمريكي بالأساس.
من جانبه، يرى البروفيسور كارلو ماسالا من جامعة بوندسفير في ميونيخ أن الفكرة الأساسية هي أن الأمريكيين يريدون "الانسحاب تدريجيًا من دورهم القيادي".
ويضيف ماسالا أن ألمانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة القادرة حاليًا على النهوض بهذا الدور بفضل مواردها المالية، مؤكدًا: "نحن بأي حال ندخل دورًا عسكريًا سياسيًا جديدًا".
وأكد ماسالا أن المنطق وراء وجود قائد أمريكي تاريخيًا هو أن الدور "مزدوج الرأس"، حيث يقود الضابط كلًا من القوات الأمريكية في أوروبا وقوات الناتو.
وفي حالة تولي قائد ألماني أو أوروبي، فإنه لن تكون له قيادة على القوات الأمريكية.
أصبحت ألمانيا ثالث أكبر مزود للدعم العسكري لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث قدمت أنظمة أسلحة متطورة بما في ذلك دبابات "ليوبارد 2"، وأنظمة الدفاع الجوي "IRIS-T"، لكن برلين لا تزال تتردد في تقديم صواريخ كروز طويلة المدى من طراز توروس، وهو ما يبرز حدود التحول الاستراتيجي الألماني.
ويشير تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن إلى أن ألمانيا كانت "غائبة بشكل ملحوظ" عن المناقشات الأولية حول قوة الطمأنينة الأوروبية لتعزيز الردع الأوكراني، تاركة القيادة السياسية لفرنسا والمملكة المتحدة.
شكل خطاب نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط عام 2025 نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي الألماني.
واتهم فانس الحكومات الأوروبية بقمع حرية التعبير، وزعم أن القضايا الداخلية مثل سياسات الهجرة والرقابة المزعومة تشكل تهديدات أكبر للديمقراطية من خصوم خارجيين مثل روسيا أو الصين.
وعندما التقى فانس بشكل خاص بزعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، أليس فايدل، اعتُبر ذلك في برلين انتهاكًا للسيادة وتدخلًا في السياسة الداخلية الألمانية.
يشير الباحث ليونارد شوته، من جامعة هارفارد، إلى أن أوروبا تحتل الآن المرتبة الرابعة بين الأولويات الاستراتيجية الأمريكية، خلف نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط.
وردًا على التحديات الأمريكية، أعلن ميرتس عن عقيدة استراتيجية جديدة: الاستقلال الأوروبي التدريجي عن الولايات المتحدة.
ويرى ميرتس أن بناء قوة عسكرية أوروبية قوية هو السبيل الوحيد للحفاظ على الأمن في عصر عدم اليقين الأمريكي.
وقال ميرتس بصراحة: "يجب أن تكون الأولوية المطلقة الآن تقوية أوروبا بسرعة حتى نتمكن خطوة بخطوة من أن نصبح مستقلين عن الولايات المتحدة"، في تصريح كان لا يمكن تصوره في السياسة الألمانية السائدة قبل عقد من الزمن.
ورغم الإعلانات الطموحة، تواجه ألمانيا تحديات كبيرة في تنفيذ خططها الدفاعية، تشمل البيروقراطية المعقدة، والتأخيرات في شراء المعدات، والنقص في الجاهزية التشغيلية، والحاجة إلى تغيير ثقافي عميق في المجتمع الألماني.
ويشير تقرير معهد الدراسات الدولية السويدي إلى أن تنفيذ سياسة شولتس السابقة كان متعثرًا وغير مكتمل، مع تأخيرات في الشراء، وقيود قانونية، وغموض سياسي، مما دفع البعض للقول إن "التسايتنفنده" أصبح أكثر من مجرد علامة تجارية منه عملية تحويلية حقيقية.
كما تظهر استطلاعات الرأي انقسامًا في المجتمع الألماني، ففي مايو/أيار عام 2025، أيد 42% من الألمان نمو ميزانية الدفاع، لكن 50% عبروا عن مخاوفهم من التأثيرات السلبية على البرامج الاجتماعية ومبادرات مكافحة تغير المناخ.
من جهة أخرى، أظهر استطلاع آخر أن 66% من الألمان يؤيدون تخفيف قيود الإنفاق الدستورية.
تحاول ألمانيا السير على حبل رفيع بين الحفاظ على علاقتها مع واشنطن والتزاماتها تجاه الناتو من جهة، وبناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة من جهة أخرى.
وتواجه برلين تحديًا مزدوجًا: تهدئة إدارة ترامب المتقلبة والمطالبة بمزيد من الإنفاق الدفاعي، والتعامل مع تاريخها الثقيل وثقافتها السلمية الراسخة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في النهاية، يمثل "تسايتنفنده 2.0" تحولًا تاريخيًا في السياسة الألمانية، لكنه يظل أقرب إلى التطور منه إلى الثورة.
والنجاح سيعتمد على قدرة ألمانيا على تحويل الالتزامات المالية إلى قدرات عسكرية حقيقية، وإقناع مواطنيها بضرورة هذا التحول، وإيجاد صيغة جديدة للتعاون الأوروبي-الأطلسي تناسب عصر عدم اليقين الجيوسياسي.