الكرملين: بوتين يدعم التسوية السياسية والدبلوماسية للحرب الإيرانية
برزت خلال الأشهر الأخيرة موجة انتقادات داخلية غير معتادة من مجتمع المدونين العسكريين الروسيين المعروفين باسم «الميلبلوغرز»، الذين تحولوا من داعمين للخطاب الرسمي إلى منصات نقد لأداء القيادة الميدانية مع دخول ما يُعرف بالهجوم الربيعي.
وتشير البيانات إلى أن هذه الانتقادات لم تعد محصورة في تقييمات تكتيكية محدودة، بل امتدت إلى اتهامات مباشرة لـ«فشل القيادة» في إدارة العمليات، وسط حديث متكرر عن ضعف التنسيق بين الوحدات، وتكرار الأخطاء الميدانية، وارتفاع الخسائر البشرية.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات المدونة العسكرية الروسية أناستاسيا كاشيفاروفا التي قالت: «القيادة العسكرية الروسية تواصل ارتكاب الأخطاء والكذب»، مضيفة: «كل يوم يتم ارتكاب أخطاء تكلف أرواح مقاتلينا».
وذهب تحليل صادر عن معهد دراسة الحرب «ISW» إلى تقدير أن استمرار الوتيرة نفسها قد يجعل الحرب تمتد لسنوات طويلة جدًا؛ ما يعكس حجم التحديات العملياتية التي تواجه الجيش الروسي على الأرض.
في المقابل، شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا من الكرملين ضد بعض الشخصيات البارزة في هذا المجتمع، حيث تم تصنيف المدون رومان أليوخين كـ«عميل أجنبي» من قبل وزارة العدل الروسية، كما أُدرجت المدونة تاتيانا مونتيان في سجل المتطرفين.
كما فرضت وزارة العدل الروسية غرامات على أوكسانا كوبيليفا بتهمة «تشويه سمعة الجيش»، على خلفية انتقاداتها لبعض القيادات العسكرية.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير بحثية صادرة عن مؤسسة مثل Carnegie Endowment for International Peace إلى أن هذا التوتر داخل مجتمع المدونين لا يرتبط فقط بالخلاف حول إدارة الحرب، بل يعكس أيضًا صراعات داخلية حول النفوذ والموارد داخل البيئة الداعمة للمجهود الحربي، في وقت يستخدم فيه الكرملين هذه الحالة لضبط الخطاب العام دون فتح المجال لانفلات سياسي.
كما تتزامن هذه التطورات مع توجهات روسية لتقييد بعض منصات التواصل، وعلى رأسها تطبيق تيليغرام، بالتوازي مع إطلاق بدائل محلية، وهو ما يراه مراقبون محاولة لإعادة ضبط الفضاء المعلوماتي الذي يشكل فيه المدونون العسكريون أحد أبرز الفاعلين.
ووفقا للمراقبين، تعكس هذه التطورات حالة متصاعدة من الجدل داخل البيئة الروسية المؤيدة للحرب، بين خطاب رسمي يسعى للحفاظ على صورة التماسك، وصوت داخلي ناقد يتحدث عن أخطاء ميدانية وتحديات هيكلية في إدارة العمليات.
وفي هذا الإطار، أكد مدير مركز جي إس إم للأبحاث والدراسات في روسيا الدكتور آصف ملحم، أن ما يُثار من انتقادات داخلية في بعض الأوساط الروسية لا يعني بأي حال وجود تمرد داخل الجيش الروسي، مشددًا على أن هذا الوصف لا ينطبق على المشهد القائم.
وفي حديث لـ«إرم نيوز»، قال ملحم، إن بداية العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا شهدت بالفعل بعض الإشكاليات في قطاعات متفرقة من الجبهات، وهو أمر طبيعي في ظل تعدد القادة الميدانيين الذين يُقدر عددهم بالآلاف، وتنوع اختصاصاتهم بين الأسلحة والوحدات والقطاعات المختلفة.
ولفت إلى أن هذا التعدد يفتح المجال لاختلافات في الأداء، وقد يفضي أحيانًا إلى قصور بعض القادة في تنفيذ الخطط العسكرية كما ينبغي.
وأضاف ملحم أن بعض هؤلاء وُصفوا في المراحل الأولى بـ«قادة اللحم»، في إشارة إلى من يدفعون قواتهم إلى مواجهات شديدة الخطورة دون حساب كافٍ للعواقب؛ ما يسبب خسائر بشرية كبيرة.
وأشار إلى أن طول أمد العمليات العسكرية يفرض ضغطا نفسيا هائلا حتى على الجيوش القوية، وهو ما يفسر ظهور ثغرات هنا أو هناك، خاصة مع بطء التقدم الروسي مقابل تمكن القوات الأوكرانية أحيانًا من استعادة مواقع محددة.
وأكد ملحم، أن القائد الميداني الناجح لا بد أن يجمع بين الصفات النفسية والجسدية والعلمية والعسكرية، بينما لا يزال بعض القادة عاجزين عن تحقيق التقدم المطلوب.
وأشار إلى أن الجيش الروسي راجع أخطاءه الأولى، وانسحب من بعض المناطق، وأعاد صياغة استراتيجيته، بما يعكس حالة تصحيح ميداني مستمرة لا حالة تمرد أو انهيار.
ومن جانبه، أكد الباحث الاستراتيجي هشام معتضد، أن بروز انتقادات روسية داخلية من داخل مجتمع «المدونين العسكريين» المرتبط بالمجهود الحربي لا يمكن التعامل معه كحدث عابر؛ لأنه يكشف عن بداية تشقق في طبقة «الإجماع العملياتي» التي تعتمد عليها موسكو في إدارة الحرب.
وقال الباحث الاستراتيجي في حديث لـ«إرم نيوز» إن هذه الفئة كانت تؤدي دورا مكملا للآلة الدعائية الرسمية، لكنها تمثل عمليًا قناة شبه رسمية لقياس المزاج الميداني، وعندما تنتقل من التبرير إلى النقد فإن ذلك يعني أن التوتر انتقل من الهامش إلى داخل المنظومة العسكرية نفسها.
وأضاف معتضد، أن هذا التحول يعكس ضغطا متزايدا على بنية القيادة والسيطرة، مع اتساع الفجوة بين التصور المركزي والتنفيذ الفعلي في الميدان، وهو ما يظهر في بطء اتخاذ القرار، أو ضعف إعادة التموضع، أو خلل تكامل النيران المشتركة، وهي عناصر تصبح أكثر حساسية في مرحلة الهجوم الربيعي.
وكشف أن هذه الانتقادات تكشف عن تآكل تدريجي في كفاءة «إدارة الاستنزاف» الروسية؛ لأن استمرار القتال دون اختراق حاسم يرفع الكلفة البشرية والنفسية داخل الدوائر القريبة من المؤسسة العسكرية.
وشدد هشام معتضد على أن ما يجري ليس «تمردًا داخليًا» بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى «تمرد تكتيكي مضبوط» يسمح به النظام كآلية تصحيح داخلية.
وأوضح أن موسكو قد تتجه إلى تعديل التكتيكات القتالية، وتطوير استخدام الطائرات المسيّرة، وتحسين التنسيق بين المدفعية والاستطلاع، وإعادة توزيع الموارد على القطاعات الأكثر أهمية.