logo
العالم

مفارقة الأطلسي.. إعادة تسلّح أوروبا ليست تمرداً على واشنطن بل خوفاً منها

جنود من الفيلق الأوروبي يحملون علم الاتحاد الأوروبي.المصدر: فورين بوليسي

كشفت عملية إعادة تسلّح أوروبا عن مفارقة عميقة: تحرك الدول الأكثر قدرة عسكريا لبناء قوة مستقلة ليس تحسبًا لغياب المظلة الأمنية الأمريكية، بل لأنها تخشى أن تختفي الحماية الأمريكية فجأة. 

وفي المقابل، من المؤكد أن الدول والمجتمعات الأكثر شكًا بالولايات المتحدة، والتي تراها خصمًا محتملًا، تفضل الانسحاب من منطق القوة، بدلاً من تحمّل كلفة استبدالها.

أخبار ذات علاقة

زعماء أوروبيون خلال قمة مجموعة العشرين

80 عامًا من الردع تتلاشى.. أوروبا تواجه تهديد روسيا بلا مظلة نووية أمريكية

وبحسب "فورين بوليسي"، فإن إيطاليا مثال واضح على هذه المفارقة؛ فرغم إدراك المواطنين الإيطاليين لتقلب واشنطن في عهد ترامب، فإنهم لا يظهرون أي استعداد حقيقي لزيادة إنفاقهم الدفاعي، كما أن البلاد ما زالت تتأثر بموروثها السلمي بعد الحرب العالمية الثانية، وترى في إعادة التسلح سببًا للتوتر بدلاً من وسيلة للرد عليه؛ ما يجعل الالتزام الفعلي بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي مجرد هدف شكلي أكثر من كونه زيادة فعلية في القدرات العسكرية.

أخبار ذات علاقة

أعلام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

تقودها فرنسا.. مساع أوروبية للخروج من "المظلة" الدفاعية الأمريكية

من جانبها، تمثل فرنسا حالة معقدة ومتناقضة؛ فالرئيس إيمانويل ماكرون حاول تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وزيادة ميزانية الدفاع، ورفعها من 32 مليار يورو في 2017 إلى 47 مليار يورو في 2024، مع إعلان طموح للوصول إلى 64 مليار يورو بحلول 2027، لكنه يواجه أزمة داخلية، بما في ذلك شعبيته المنخفضة، والبرلمان المنقسم، وحملة انتخابية مقبلة غير محسوبة النتائج؛ ما يضع قيودًا فعلية على قدرته في تحويل دعوات "الاستقلال الدفاعي الأوروبي" إلى قوة قابلة للتطبيق على الأرض.

المفارقة تتعمق أكثر بسبب الاعتماد الأوروبي الهيكلي على الولايات المتحدة؛ فأوروبا تعتمد على واشنطن في التكنولوجيا العسكرية، وأنظمة القيادة والتحكم، وحتى المكونات الإلكترونية الأساسية. 

ويرى المحللون أن هذا الاعتماد يجعل أية محاولة لإعادة بناء القوة المستقلة مكلفة ومعقدة بشكل غير مسبوق، كما أن الدول الأكثر شكًا تجد نفسها عالقة بين الخوف من موسكو والرغبة في تجنب الإنفاق الكبير، بينما الدول الشرقية، المهددة مباشرة من روسيا، لا تتردد في تعزيز قواتها ضمن الحلف الأطلسي.

وكشف المحللون أن إعادة التسلح الأوروبي ليست تمردًا على واشنطن، بل هي رهان أخير على بقائها؛ إذ إن الدول التي ترى الولايات المتحدة خصمًا، تتجنب الإنفاق الفعلي على الدفاع، بينما الدول التي ما زالت تثق في الناتو وحدها تقرر التضحية والتسلح؛ ما يجعل أوروبا محاصرة بين الرغبة في الاستقلال والخوف من فقدان الحماية الأمريكية، وبين الشك في واشنطن والاعتماد عليها في الوقت نفسه.

يجدر القول إن أوروبا اليوم تعيش مفارقة دفاعية عميقة: الدول الأكثر شكًا في الولايات المتحدة تعد أقل استعدادًا لبناء قوة مستقلة، بينما الدول الأكثر استعدادًا للتسلح تفعل ذلك لتعزيز الحماية الأمريكية، لا لاستبدالها، وهذه الديناميكية تكشف أن إعادة التسلح الأوروبي ليست انقلابًا على واشنطن، بل تعبيرًا عن خوف عميق من فقدانها، ورهانًا على استمرار الاعتماد على تحالف يلوح في الأفق لكنه غير مضمون.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC