لم تعد تداعيات غياب المرشد الإيراني علي خامنئي شأناً داخلياً يخص طهران وحدها، فالمشهد الذي تشكل في الساعات الأولى للحرب نقل المنطقة إلى معادلة مفتوحة، تشتبك فيها حسابات بقاء النظام، وتمدد الأذرع، وفرص الخصوم في الداخل والخارج، لتتسع مساحة الأسئلة حول ما إذا كانت المعارضة قادرة على استثمار اللحظة، أم أن القبضة الأمنية ستعيد إنتاج النظام بصورة أشد صلابة.
ويذهب مختصون إلى أن سؤال "الفراغ" لا يتعلق بموقع المرشد وحده، بل بمدى قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على إدارة الانتقال بسرعة، وفي مقدمتها مجلس الخبراء، والمؤسسة الأمنية، فحسم الخلافة بإيقاع سريع قد يضيق نافذة المعارضة، بينما يفتح أي صراع أجنحة الباب أمام ارتباك سياسي واقتصادي ينعكس على الشارع ويمنح الخصوم مساحة حركة أكبر.
الباحث في الشؤون السياسية محمد النصراوي، قال إن "الفرق الجوهري في هذه المواجهة يكمن في تحول الاستراتيجية الأميركية من الاحتواء والإجهاد إلى الإسقاط والاجتثاث، بما يوحي أن إدارة ترامب تريد إنهاء حقبة بدأت عام 1979"، لافتا إلى أن "القيادة الإيرانية اتجهت إلى رد واسع يهدف لفرض معادلة أن سقوط النظام لن يمر دون إحراق المنطقة بأكملها".
وأضاف النصراوي لـ"إرم نيوز"، أن "غياب المرشد في لحظة حرب لا يعني بالضرورة انهياراً فورياً؛ لأن بنية النظام الإيراني مؤسساتية ومتشعبة، لكن المشكلة تكمن في عامل الثقة داخل هذه المؤسسات، فإذا ظهرت مؤشرات انقسام أو تسريب أو صراع صلاحيات بين الحرس الثوري ومجلس الخبراء والمؤسسة الدينية، فإن ذلك سيمنح المعارضة هامش حركة أكبر، سواء داخل الشارع أو داخل أروقة الدولة نفسها".
وتبدو المعارضة الإيرانية في هذه اللحظة أقرب إلى خليط من المدارس والتيارات وليس كتلة واحدة، وهو ما يجعل "الفرصة" المحتملة معقدة وشديدة الارتباط بقدرتها على التنظيم وتقديم البديل.
وفي هذا الإطار قال رئيس المركز العربي الاسترالي أحمد الياسري لـ"إرم نيوز" إن "المعارضة ليست اتجاها واحدا، بل معارضات متعددة تنتمي إلى مدارس سياسية مختلفة، قوميون وليبراليون ويسار ومجموعات انفصالية، وكلها لديها صراع مع النظام لكن من دون مشروع جامع يلتف عليه الإيرانيون".
وأضاف الياسري أن "منظمة مجاهدي خلق تبقى أكثر الجبهات تنظيما ولديها تاريخ طويل وبنية ممتدة خارج إيران، لكنها لا تزال لا تحظى باعتراف أميركي بوصفها بديلا ناجحا"، مشيرا إلى أن "المعارضات القومية مثل الكرد والبلوش والعرب تبقى محكومة بحساسيات الجوار وحدود الحركة، وغالبا ما تظل محلية ضمن نطاقها الجغرافي".
ويشير الياسري إلى أن "الرهان الأكبر في لحظات التحول لا يكون على الخارج بقدر ما يكون على تصدع الداخل"، مبينا أن "إسقاط النظام لا يمر عبر إسقاط شخص واحد؛ لأن السلطة موزعة بين مؤسسات وقوى، وأن أي انتقال قسري سيصطدم بسؤال البديل وقدرة القوى الجديدة على إدارة دولة متعددة القوميات والتيارات، وهو ما يجعل سيناريوهات الفوضى أو رجل الصفقة من داخل النظام احتمالات قائمة إذا انفتح الصراع على الداخل ".
وشهدت إيران في الأشهر الأخيرة موجة احتجاجات اتسمت باتساع جغرافي غير مسبوق، شملت مدنا مركزية وأخرى طرفية، وبرز فيها انخراط قطاعات لم تكن تقليديا في صدارة الحراك، مثل أصحاب المتاجر في البازار وشرائح من الطبقة المتوسطة المتضررة من التدهور الاقتصادي.
ورغم كثافة الحراك، لا تزال المعارضة تفتقر وفق مختصين، إلى شخصية أو إطار جامع قادر على تحويل الزخم الاحتجاجي إلى مشروع سياسي واضح، فالحركات الشبابية تعتمد على شبكات غير مركزية، والتيارات الليبرالية تعاني من ضعف التنظيم داخل الداخل الإيراني، بينما تظل المعارضات القومية محصورة في نطاقها الجغرافي.
وفي هذا السياق، قال الباحث والأكاديمي نصير الحمود، إن "المعارضة الإيرانية أمام لحظة اختبار تاريخية، لكن نجاحها لا يرتبط فقط بغياب المرشد، بل بمدى قدرتها على تقديم بديل مقنع لمجتمع متعدد القوميات والتيارات".
وأضاف الحمود لـ"إرم نيوز"، أن "التجارب المقارنة تظهر أن سقوط رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوط البنية العميقة للدولة، فالمؤسسات الأمنية والعقائدية قد تعيد تنظيم نفسها بسرعة، ما لم يحدث تصدع داخلي واسع يغيّر موازين القوة".
وأوضح أن "الاحتجاجات الاقتصادية الواسعة شكلت رافعة سياسية، لكنها تحتاج إلى إطار قيادي وبرنامج واضح حتى تتحول من موجة غضب إلى مشروع حكم"، مبينا أن "السيناريو الأكثر ترجيحا هو إعادة تشكيل للنظام، أو بروز تسوية من داخل النخبة الحاكمة، قبل الحديث عن انتقال كامل للسلطة إلى المعارضة".