logo
العالم

تقرير أمريكي: انهيار مصرفي غامض دفع إيران إلى "دوامة الفوضى"

من الاحتجاجات في إيرانالمصدر: (أ.ب)

لم تأتِ أولى الإشارات على اقتراب إيران من أزمة شاملة من تصاعد الغضب السياسي، أو من إحباط جيل شاب يطالب بمزيد من الحريات، بل من مكان أقل صخبًا وأكثر خطورة: القطاع المصرفي.

وفي أواخر العام الماضي، انهار بنك "آينده"، أحد البنوك الخاصة البارزة، في حادثة بدت للوهلة الأولى تقنية، لكنها سرعان ما كشفت عن عمق الاختلالات في الاقتصاد الإيراني.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، كان البنك، الذي تديره شخصيات مقربة من دوائر الحكم، مثقلًا بخسائر تُقدَّر بنحو خمسة مليارات دولار، تراكمت نتيجة قروض متعثرة واستثمارات عالية المخاطر.

أخبار ذات علاقة

مبنى القضاء في إيران

بتهمة تأجيج الشارع.. اعتقال مالك أكبر سلسلة مقاهٍ في إيران

ومع تعثره، تدخلت الحكومة سريعًا، فقررت دمجه في بنك حكومي وتحملت ديونه، ممولة العملية عبر طباعة كميات كبيرة من العملة المحلية.

هذا الإجراء حال دون انهيار فوري في ثقة المودعين، لكنه أخفى جوهر المشكلة بدلًا من معالجتها.

وتحوّل انهيار "آينده" إلى رمز ومسرّع لأزمة اقتصادية أوسع، كانت تتبلور منذ سنوات.

وأوضح الحدث أن النظام المصرفي الإيراني، الذي أرهقته العقوبات الدولية، وسوء الحوكمة، والاعتماد المزمن على التمويل التضخمي، بات يعاني ضعفًا متزايدًا في الملاءة والسيولة.

ويرى اقتصاديون أن ما لا يقل عن 5 بنوك أخرى تواجه أوضاعًا مشابهة، ما يثير مخاوف من سلسلة تعثرات إضافية.

وجاءت الأزمة في توقيت بالغ الحساسية، فقبل أشهر، تعرضت مصداقية الحكومة لهزة قوية عقب مواجهة عسكرية قصيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، كشفت محدودية قدرتها على حماية الداخل.

كما استمرت حالة الجمود في المفاوضات النووية، ما أبقى العقوبات الاقتصادية قائمة، وحرم طهران من أي أفق قريب لتخفيف الضغوط الخارجية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عادت التهديدات العسكرية لتلوح مجددًا، مع تحذيرات من ضربات محتملة إذا أعادت إيران بناء قدراتها الصاروخية أو النووية.

في هذا السياق، دخل الريال الإيراني في موجة هبوط جديدة، إذ أدت إجراءات إنفاذ أمريكية إلى قطع تدفقات الدولار القادمة من العراق، والتي كانت تمثل شريانًا حيويًّا للنظام المالي الإيراني، كما تقلصت العائدات الصافية من صادرات النفط، وبات الوصول إلى الاحتياطيات الأجنبية في الخارج شبه مستحيل بفعل العقوبات.

ومع محدودية الأدوات المتاحة، عجزت السلطات عن وقف التدهور السريع للعملة. 

أخبار ذات علاقة

رئيس البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي

على وقع الغليان الشعبي.. استقالة معاون البنك المركزي الإيراني

وبعد عقود من الالتفاف على القيود عبر قنوات مالية غير رسمية وتدفقات نقدية معتمة، وصلت طهران إلى طريق مسدود، فلم تعد لدى الدولة القدرة على احتواء أزمة اقتصادية متفاقمة أو تلبية احتياجات سكان يزدادون يأسًا.

وفي مؤشر على عمق الأزمة، خرج مئات التجار إلى شوارع طهران مطالبين بالتدخل، في مشهد غير مألوف لفئة اعتادت الابتعاد عن الاحتجاجات السياسية.

وكان بنك "آينده" نفسه مثالًا مكثفًا على اختلالات الحوكمة، فقد تأسس عام 2013 على يد رجل الأعمال علي أنصاري، المنحدر من واحدة من أغنى العائلات الإيرانية، والمقرّب من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

واعتمد البنك سياسة توسعية جذبت ملايين المودعين عبر تقديم أعلى معدلات فائدة في السوق، في حين لجأ بشكل مكثف إلى الاقتراض من البنك المركزي، الذي موّل ذلك عبر طباعة النقود.

وتركزت استثمارات البنك في مشاريع مرتبطة بمالكه، أبرزها "إيران مول"، وهو مجمع تجاري ضخم افتُتح عام 2018، ويُعد من الأكبر في العالم.

المشروع، الذي اتسم ببذخ لافت لا ينسجم مع حالة الركود الاقتصادي، إذ استنزف موارد هائلة دون تحقيق عائد نقدي مستدام.

وأظهرت تقارير رسمية لاحقًا أن أكثر من 90% من موارد البنك كانت مرتبطة بمشاريع تحت إدارته المباشرة، في نموذج واضح للإقراض الذاتي. 

أخبار ذات علاقة

الاحتجاجات في إيران

هل وصلت السلطة في إيران إلى "نهاية الطريق"؟

وعلى مدى سنوات، تعرّض البنك لانتقادات من سياسيين محافظين وإصلاحيين حذروا من أن دعمه سيؤدي إلى تفاقم التضخم، وبلغ الضغط ذروته في أواخر العام الماضي، حين دعا رئيس السلطة القضائية البنك المركزي إلى التدخل، ملوّحًا بإجراءات قانونية.

وفي اليوم التالي، أعلن البنك المركزي حل "آينده" ودمجه في بنك "ملي"، أكبر البنوك الحكومية.

لكن كلفة الإنقاذ لم تكن محدودة، فبينما تحملت الدولة ديون بنك خاص، كانت تتجه في الوقت نفسه إلى تقليص الدعم العام وفرض إجراءات تقشفية، شملت خفض بعض الإعانات ورفع أسعار الوقود.

وعمّق هذا التناقض شعورًا واسعًا بأن كلفة الأزمة تُحمَّل للمجتمع، بينما تُنقَذ المؤسسات المرتبطة بالنخب.

اقتصاديًّا، تسارعت التداعيات، حيث فقد الريال جزءًا كبيرًا من قيمته، وارتفعت أسعار الغذاء والطاقة بمعدلات قياسية، وتآكلت الأجور الحقيقية، مثلما واجه التجار والمستوردون صعوبة في التسعير، وتكبد كثيرون خسائر قبل طرح بضائعهم في الأسواق.

ومع تفاقم أزمات الطاقة والمياه، تعزز انطباع متزايد بأن الدولة باتت عاجزة عن إدارة شؤون أساسية.

وفي هذا المناخ، لم تنجح محاولات الحكومة لاحتواء الغضب عبر مِنح نقدية محدودة أو تغيير بعض المسؤولين الاقتصاديين.

واندلعت احتجاجات واسعة امتدت إلى عشرات المدن، لتصبح الأكبر منذ عقود.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC