تواجه الترويكا الأوروبية تحديَا غير مسبوق بخصوص إيران، وسط تصاعد الاحتجاجات وما رافقها من تقارير موثقة عن سقوط مئات القتلى، وضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تأخذ لهجة تهديد معلن وصريح ضد طهران، وتعثر المسار النووي، قبل ذلك.
بدأت الاحتجاجات نهاية العام الماضي، تعبيرا عن الاستياء من الوضع الاقتصادي المتردي، لكن سرعان ما توسعت رقعتها وارتفع سقف المطالب؛ إذ اتخذ طابعا سياسيا ضد السلطات الإيرانية التي تمر في أضعف اللحظات منذ ما سمي بـ"انتصار الثورة"، عام 1979 التي تعيش عزلة دولية، وفقدت نفوذها وأذرعها الإقليمية، وهو ما يمنح هذه الاحتجاجات طابعا مختلفا، قد يحدد مصير النظام الإيراني.
ضمن هذا السياق، تطرح تساؤلات حول مواقف الترويكا الأوروبية (فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا) وما إذا كان نهجها التقليدي القائم على الدبلوماسية والمرونة مجديا، أم أن المعطيات الجديدة ستدفعها إلى الاقتراب أكثر من مواقف ترامب "الصدامية"، واللجوء إلى دبلوماسية مشروطة عبر انتزاع التنازلات في ملفات عدة، منها الملف النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية والتدخل الإقليمي والتقارب مع روسيا ضد كييف، وغيرها من الملفات التي تلعب فيها طهران أدوارا لا تتناسب مع المصالح الأوروبية.
ويرى خبراء أن الترويكا الأوروبية دأبت على الدوام على الفصل بين ثلاثة ملفات تتعلق بإيران وهي الملف النووي، وسلوك طهران الإقليمي، وسجلها في مجال حقوق الإنسان، غير أن موجة الاحتجاجات الحالية، وما تبعها من قمع أضعفت هذا الفصل، وأعادت ربط هذه الملفات ضمن رؤية واحدة.
وكانت منظمة العفو الدولية أفادت بأن السلطات الإيرانية "تستخدم القمع الممنهج لإخماد أي تعبير عن المعارضة"، فيما تحدثت تقارير حقوقية موثقة عن مئات القتلى وآلاف المعتقلين خلال أقل من ثلاثة أسابيع .
شكلت هذه التقارير "المرعبة" عن مستوى القمع ضد الاحتجاجات، ضغطا على حكومات الترويكا لتشديد خطابها ضد ايران، وبالفعل دخلت مفردات جديدة الى القاموس السياسي الأوروبي المستخدم ضد إيران من قبيل "الوحشي" و"المروّع"، في وصف القمع الذي تمارسه طهران ضد المحتجين.
ويلاحظ خبراء أن مواقف الترويكا الاوربية بدأت تتطور وتأخذ منحى أكثر حزما، وباتت أكثر قربا من موقف واشنطن، لكن لم يصل بعد الى حد اعتبار الخيار العسكري حلًا.
ويضيف الخبراء بأن التصعيد في الموقف الأوروبي نابع من تراجع الرهان الأوروبي على تغيير السلوك الإيراني عبر الدبلوماسية المعتادة وحدها، وهذا ما تجلى في تجميد آلية التبادل التجاري الأوروبي–الإيراني وتفعيل "آلية الزناد"، لإعادة العقوبات الأممية.
وجاءت الاحتجاجات لتبرهن صوابية الموقف الأوروبي خصوصا في ظل القمع الممارس الذي يمثل "خطًا أحمر" في الذهنية الأوروبية، بحسب خبراء.
وربطت رئيسة المفوضية الأوروبية بين هذه الملفات الإيرانية المتعددة، عندما قالت إن "ما تقوم به إيران لا يقتصر على انتهاك التزاماتها النووية، بل يشمل قمع شعبها ودعم الحرب الروسية في أوكرانيا عبر الطائرات المسيّرة".
ويوضح الخبراء أن هذا الربط بين ما يجري في الداخل الإيراني، وبين سياساتها الاقليمية والدولية يقترب، على نحو ما، من الرؤية الأمريكية.
وكان لافتا، كذلك، أن الأوروبيين لم يعترضوا صراحة على تصريحات ترامب "النارية"، خصوصا حين قال "كل الخيارات مطروحة على الطاولة لحماية الأمن الدولي ودعم الشعب الإيراني".
ويرى خبراء أن هذا الصمت حيال تهديدات ترامب يفسر على أنه نوع من الرضا، وهو مؤشر أن الهوة تضيق بين الموقفين الأوروبي والأمريكي، فيما يتعلق بإيران.
ورغم ذلك، يشير مراقبون الى أن هناك عوامل تمنع أوروبا من الذهاب بعيدا في تبني النهج الأمريكي حيال إيران بالكامل، ومن أبرزها الانقسامات داخل الاتحاد الأوربي وحتى الترويكا، حيث يتطلب اتخاذ قرارات كبرى في السياسة الخارجية إجماعا، قد لا يتحقق بسهولة.
علاوة على ذلك، فإن أوروبا "استنزفت" نتيجة الحرب في أوكرانيا، بحسب مراقبين، وهو ما يخفف من الحماسة الأوربية تجاه تغيير النظام الإيراني بالقوة، وهذا ما عبر عنه وزير الدفاع الألماني عندما قال إن "أوروبا لا يمكنها تحمّل صراع عسكري جديد في الشرق الأوسط دون تداعيات مباشرة على أمنها واقتصادها".
ولا يمكن تجاهل المخاوف الأوروبية من العواقب النووية المحتملة، فالضغط الأقصى على النظام الإيراني ومن ثم شعوره بأن النهاية قد اقتربت، قد يسرّع في قرارها بالوصول إلى السلاح النووي، وهو ما تحذر منه الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تعتبر أن ايران تقترب من تحقيق هذا الهدف.
وفي ذات السياق، فإن الترويكا الأوروبية تحاول توظيف الاحتجاجات لأغراض سياسية، إذ تعتبرها أداة ضغط سياسية وأخلاقية، قد تفضي إلى تغيير سلوك النظام وليس بالضرورة تغيير النظام.
ومن هنا، فان سياسة الترويكا الأوربية قائمة على تشديد العقوبات الفردية على قادة الحرس الثوري، النواة الصلبة للقوة الإيرانية، وقد يصل ذلك الى تصنيفه ضمن خانة الارهاب، كما تسعى الى تعزيز عزلة طهران السياسية، واستخدام الملف الحقوقي كورقة تفاوضية في أي مسار نووي مستقبلي.
ويستنتج الخبراء، أن المسار السياسي للترويكا الأوروبية ستسير وفقا لثلاثة سياريوهات، أولها تشديد العقوبات، ورفض العودة إلى اتفاق 2015 بصيغته الأصلية، وقبول تفاوض محدود حول سقف التخصيب وآليات الرقابة، بالتوازي مع تنسيق وثيق مع واشنطن دون الانخراط في الخيار العسكري.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في الاقتراب أكثر فأكثر من النهج الأمريكي، ويتعزز مثل هذا السيناريو إذا تصاعد القمع ضد الاحتجاجات إلى مستويات غير مسبوقة أو أعلنت إيران اقترابها من السلاح النووي.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحا، فيتمثل في عودة الترويكا إلى لعب دور الوسيط الكامل، وهو ما يتطلب تهدئة داخلية إيرانية وتنازلات نووية ملموسة، وهي شروط تبدو بعيدة المنال.
ويخلص الخبراء إلى القول بإن الاحتجاجات الأخيرة في إيران شكّلت محطة مفصلية في الموقف الأوروبي، لكنها لم تحدث انقلابا جذريا، فرغم أن الترويكا الاوروبية لم تعد تؤمن بالدبلوماسية غير المشروطة، إلا أنها لا تزال غير مقتنعة بالحرب، كسبيل ناجع ووحيد لاحتواء الملف الإيراني المعقد.