تشهد طرق الملاحة الدولية تحولاً جذرياً مع إغلاق مضيق هرمز والتهديدات المستمرة في قناة السويس، حيث باتت القارة الإفريقية الملاذ الآمن لسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.
وقد قفز الشحن عبر رأس الرجاء الصالح بنسبة 89%، وسط سباق استثماري من عمالقة النقل البحري للسيطرة على اللوجستيات في القارة الواعدة.
بحسب صحيفة "شالونج" الفرنسية، لا تعود بدايات هذا التحول إلى الحرب الإيرانية التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بضربات إسرائيلية-أمريكية، وإن كانت قد عجّلت به.
فقد بدأت أزمة التحويلات البحرية منذ نهاية عام 2023، حين شنّ الحوثيون اليمنيون، الموالون لإيران، هجمات على سفن الشحن التجاري الغربية في البحر الأحمر عند مدخل قناة السويس، على خلفية حرب غزة، وهو ما دفع كبار الناقلين إلى التخلي عن هذا المسار واختيار البديل الأطول جنوباً.
يشرح بول توريه، مدير معهد الاقتصاد البحري العالي (إيسيمار) في سان-نازير الفرنسية: "من مضيق ملقا في ماليزيا، تتجه السفن الآن نحو طرف القارة الإفريقية الجنوبي، ثم تصعد إلى ميناء طنجة في المغرب عبر جبل طارق لتبلغ أوروبا".
في منتصف عام 2024، ارتفع الشحن عبر رأس الرجاء الصالح بنسبة 89% قياساً بنهاية 2023، في مقابل تراجع حاد بلغ 70% في قناة السويس، وفق تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد).
وفي مارس 2026، بلغت نسبة التحويلات اليومية 116%، فيما استقرت في المعدل الأسبوعي عند 35%.
وتأتي هذه الأرقام بتداعيات ثقيلة على مصر، إذ تمثّل عائدات قناة السويس - التي تستوعب 12% من التجارة العالمية - المصدر الثالث للدخل القومي للبلاد.
يُعدّ ميناء طنجة المتوسط المغربي الرابح الأكبر من هذا التحول. فبعد أن كانت السفن العملاقة تتوقف للتفريغ في ميناء البيريوس اليوناني أو مالطا عند خروجها من قناة السويس، باتت تفضّل اليوم الميناء المطلّ على مضيق جبل طارق.
وقد تجلّى ذلك في الأرقام: 11 مليون حاوية مُعالجة في 2025، مقارنة بـ 10.2 مليون في 2024 و8.6 مليون في 2023، أي بارتفاع 28% في عامين.
ويوضح يان أليكس، المندوب العام لمؤسسة سيفاسيل المتخصصة في لوجستيات النقل البحري الدولي: "لقد غدا محور طنجة المتوسط فجأة المستقبل الرئيسي للسفن الكبرى التي تُنفّذ عمليات التحويل إلى وحدات أصغر متجهة إلى أوروبا".
وقد سجّل المسار الأشهر في هذا التحول رسواً تاريخياً، حين رست السفينة (MSC DILETTA) - الأطول من أربعة ملاعب كرة قدم، وتحمل قرابة 23 ألف حاوية، وهي ملك الشركة الإيطالية-السويسرية الرائدة عالمياً - في ميناء لومي بتوغو عام 2025، للمرة الأولى على مستوى القارة بأسرها.
وتؤكد الخبيرة الاقتصادية أنتونيلا تيودورو من مكتب MDS ترانسمودال أن الفائدة لا تقتصر على العبور: "السفن لا تمر فحسب بمحاذاة السواحل، بل ترسو وتتزود بالوقود ويستريح طواقمها، مما يفتح أسواقاً جديدة".
كما ارتفعت نسبة الربط بين موانئ القارة من 65% عام 2024 إلى قرابة 70% عام 2025.
ويتسابق كبار الناقلين على تعزيز حضورهم البري والبحري في إفريقيا، وأعلنت مجموعة CMA CGM الفرنسية عن دخولها في إدارة محطة نادور ويست ميد بشمال شرق المغرب، فيما استحوذت MSC عام 2022 على 16 محطة للحاويات تابعة لشركة بولوري إفريقيا لوجستيكس وشبكتها الحديدية.
كذلك أعلنت شركة سيفا، الذراع اللوجستية لـ CMA CGM، عن انطلاقها في الغابون وغينيا وغانا عام 2025، بينما راهنت شركة ميرسك الدنماركية على التخزين المبرّد بافتتاح مستودع بيلكون الجديد في كيب تاون.
ويلخّص يان أليكس المشهد قائلاً: "إفريقيا باتت اليوم ضمن المسارات المربحة للناقلين، والسوق لا يزال في طور النشأة، مما يتيح لهم تحقيق هوامش ربح ممتازة عبر السيطرة على سلسلة النقل بأكملها وقطاعات أخرى عديدة".