دفعت الحرب الروسية على أوكرانيا، الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها العسكري ضمن ما تصفها بخطط للاستعداد لنزاع محتمل مع روسيا، وفي إطار هذه الجهود، سعت دول مثل ألمانيا وفرنسا إلى تشجيع الشباب على إعادة التفكير في الخدمة العسكرية.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، فقد استحدثت ألمانيا خدمة عسكرية جديدة، قائمة على أساس تطوعي، حيث بدأ نحو 700 ألف رجل وامرأة من مواليد عام 2008 بتلقي استبيانات هذا الشهر حول لياقتهم البدنية واستعدادهم للخدمة، مشيرة إلى أن الرجال ملزمون بالإجابة، وسيتعين عليهم الخضوع لفحص طبي، سواء رغبوا في الخدمة أم لا.
وقد أثارت أنباء الخدمة العسكرية الجديدة خروج عشرات الآلاف من طلاب المدارس إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة. وكان السؤال المتكرر: لماذا يُضحّون من أجل ولاية تُخصّص ربع ميزانيتها الفيدرالية لدفع معاشات التقاعد لكبار السن؟
ويؤكد التقرير، أن اعتراضاتهم تتعلق بالاقتصاد أكثر من السياسة، وهو ما يختلف اختلافاً كبيراً عن مثالية حركة السلام الألمانية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والتي تشكلت بفعل حرب فيتنام والحرب الباردة والخوف من نشوب صراع نووي في أوروبا. ونظراً لقلة فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، يقول العديد من الشباب إنهم مستاؤون من مطالبتهم بالتضحية من أجل كبار السن مرة أخرى بعد فترة وجيزة من إغلاقات الجائحة.
وقال بينيديكت زاخر، وهو طالب يبلغ من العمر 25 عامًا ومدرس رياضيات: "في الديمقراطية، تُقدّم خدمة للدولة وتحصل على مقابل" . وأضاف أن طلابه "يعتقدون أنهم لا يحصلون على أي شيء من الدولة، ونتيجة لذلك، يزدادون أنانية، وهذا حقّهم".
وساهمت حملة علاقات عامة مكثفة، شملت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي، تُبرز إثارة القتال عالي التقنية، للقوات المسلحة الألمانية (البوندسفير)، في زيادة عدد المجندين خلال العامين الماضيين.
وأعلنت وزارة الدفاع أن عدد الجنود في الخدمة الفعلية بلغ أعلى مستوى له منذ عام 2021. ومع ذلك، فإن المجندين الجدد بالكاد يعوضون حالات المغادرة والتقاعد، كما أن القوات المسلحة تتقدم في السن.
ويكشف التقرير، أن ألمانيا وضعت أهدافاً متواضعة على المدى القريب. ففي رسالةٍ إلى المشرعين اطلعت عليها صحيفة وول ستريت جورنال، قال وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، إنه يهدف إلى تجنيد 20 ألف شخص في الخدمة الجديدة هذا العام. وأضافت الوزارة أنها ترغب في تجنيد 13500 جندي آخرين من خارج الخدمة العسكرية.
ومع ذلك، فإن هذا الرقم أقل بكثير من 60 ألف إلى 70 ألف مجند جديد سنوياً، وهو العدد الذي يعتقد المحللون أنه ضروري لألمانيا لتحقيق هدفها المتمثل في رفع عدد القوات من 184 ألفاً إلى حوالي 260 ألفاً ومضاعفة عدد جنود الاحتياط ثلاث مرات ليصل إلى 200 ألف بحلول عام 2035.
ويُعدّ الشباب عنصراً أساسياً ليس فقط لما يتمتعون به من لياقة بدنية وكفاءات، بل أيضاً لأن الجيش الألماني لا يملك وسيلة للتواصل مع العديد من سكان البلاد البالغ عددهم 930 ألفاً ممن خدموا في الجيش، والذين يُمكن نظرياً تجنيدهم. فقد توقف الجيش عن الاحتفاظ بملفاتهم بعد عام 2011، كما أن قوانين حماية البيانات لا تسمح له بالاطلاع على السجلات الشخصية للمواطنين لهذا الغرض.
وقال طالب يبلغ من العمر 16 عامًا، شارك في احتجاجات الشهر الماضي، إنه "يفضل العيش تحت الاحتلال الروسي على المخاطرة بالموت في القتال"، بينما قالت صديقته، وهي فتاة تبلغ من العمر 17 عامًا، إنها "ستغادر ألمانيا في حال نشوب حرب وتلتحق بجدّيها في الخارج".
من جانبه، قال سيمون دريسلر، وهو مؤثر ومدوّن صوتي يبلغ من العمر 26 عامًا ويعارض الخدمة العسكرية: "لستُ من دعاة السلام المطلق. أعلم أن العنف كان ضروريًا لضمان العديد من الحريات السياسية... لكن حتى أشخاص مثلي، ممن ينتمون إلى خلفيات ميسورة، لا يمكنهم أبدًا أن يأملوا في امتلاك منزل خاص بهم. والآن يُطلب منا الدفاع عن الديمقراطية، ولكن ما هي المصالح التي يُطلب منا الدفاع عنها هنا؟"
ووفق "وول ستريت جورنال"، لا تغفل الحكومة الألمانية عن الحجج الاقتصادية للشباب. ففي ظل نظام الخدمة العسكرية الجديد، سيتقاضى المتطوعون رواتب تصل إلى 3144 دولارًا شهريًا، أي بزيادة قدرها 932 دولارًا عن النظام القديم، وستغطي الدولة معظم تكلفة رخصة القيادة، التي قد تتجاوز 4500 دولار في ألمانيا. هذا يعني أن بعض المجندين المراهقين قد يتقاضون رواتب أعلى من رواتب مدربيهم، وقد أشار أحد ضباط الجيش الألماني الشباب إلى أن هذا الأمر يثير بعض التذمر بين صفوف الجيش.
ويعتقد البعض أن التهديد العسكري المتزايد من روسيا وانسحاب أمريكا من أوروبا سيساعد برلين في تحقيق أهدافها في التجنيد في نهاية المطاف.
ويقول تيمو غراف، الباحث في مركز التاريخ العسكري والعلوم الاجتماعية التابع للجيش الألماني، "إذا كنت أبلغ من العمر 18 عامًا اليوم، فمن المؤكد أنني يجب أن أفكر فيما إذا كانت الحياة في ظل الحرية والديمقراطية ستكون ممكنة في غضون 10 سنوات في أوروبا هذه، التي تتعرض للتهديد من جوانب عديدة"، أمام سونكه نيتزل، أستاذ التاريخ العسكري في جامعة بوتسدام، فقد قال إن التجنيد الإلزامي وحده هو ما سيمكن الجيش الألماني من شغل وظائف محددة في تلك الوحدات وفي تلك الأماكن التي تشتد الحاجة إليها.